الدكان الفلاني في الزقاق الفلاني، فقال له: كيف عرفت هذا؟ قال: أنا صانعه، ولو كان بين ألف حذاء لعرفته، فصاحب الصنعة أعرف بصنعته من غيره.
ومثل هذا أو قريب منه ما ذكره ياقوت، فإنه بعد أن عرف خطوط من كتب على نسخة من صحاح الجوهري، قال: «ومعرفتي بالخطوط الموجودة على النسخة كمعرفتي بما لا أشك فيه» [1] .
وجاء في الرسالة المنسوبة لأبي حيان التوحيدي المتوفى سنة 400هـ في وصف الخط، قوله: «فاعلم أنّ الكاتب إذا بلغ في تعلمه هذه الصناعة غاية قدرته، ووقفت يده عند حدّ عرف من ذلك الحد خطه، من معان تخصه عند أهل التمييز وذوي النقد والتحرير، كما تعرف وجوه الناس وإن تشابهت أعضاؤها، وتشاكلت أجزاؤها، بمعان تخصّ كلّ وجه منها، تعرفها القلوب، وتشهدها العيون، وقد تقصر عن هذه الفواصل، العبارة وتعجز عن تبيينها الإشارة» [2] .
ويظهر هذا واضحا في القدرة الفائقة عند بعض العلماء على تمييز الخطوط عن بعضها وعزوها إلى كتّابها [3] ، ففي ترجمة محمد بن عبد الرحمن ابن معمر القرطبي المتوفى سنة 423هـ قال المراكشي: «تقلد خطة التاريخ في الدولة العامرية ومقابلة كتب المنصور محمد بن أبي عامر وولده من بعده، ناظرا في خزانة كتبهم الحافلة، وكان جمّاعة للكتب، عارفا بعللها، مميزا خطوط ناسخيها، حجة في عزوتها إلى وراقيها، بزّ في ذلك أهل عصره» [4] .
(1) معجم الأدباء 6/ 65وانظر: 3/ 27منه.
(2) مجلة معهد المخطوطات العربية 1/ 123 (القاهرة 1373هـ) والخط العربي من خلال المخطوطات، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض 1406هـ، 36.
(3) انظر مثلا: الذيل والتكملة للمراكشي، 6/ 62، 213، 235، 365.
(4) الذيل والتكملة 6/ 366.