ومع ما في الأمر من غموض وتشابك في معنى القرطاس، فقد روى الطبراني عن الثوري: «أن عبد الله بن مسعود كان يقوم على البردي ويسجد على الأرض، فقلنا: ما البردي؟ قال: الحصير» [1] ، وسؤال السائل هنا يدل على غرابة لفظة البردي عنده، بيد أنّ هذا لا يدل على أنها لم تكن معروفة عند غيره فقد وردت بمعنى الحصير في شعر قيس بن الخطيم المتوفى حوالي سنة 2للهجرة في قوله:
تخطو على برديتين غذاهما ... غدق بساحة حائر يعبوب [2]
وقال الحسين بن مطير الأسدي وهو من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية [3] :
وبالبرق أطلال كأنّ رسومها ... قراطيس خطّ الحبر فيهنّ ساطره [4]
فإن خبر ابن مسعود يدل على أنّ حصر البردي المصرية قد بدأت ترد إلى الكوفة والحجاز بعد فتح مصر في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أو قبل ذلك، وبيت ابن الخطيم يدل على أنّ الحصر البردية كانت معروفة في المدينة قبل الإسلام [5] ، ولا بدّ أن عمرو بن العاص ومن خلفه كانوا يبعثون برسائلهم إلى الخلفاء على ورق البردي، إلا أننا لا نملك بعد سندا تاريخيا ماديا لهذه الرسائل، إلا أنّ البيروني المتوفى سنة 440هـ، وهو
(1) المعجم الكبير 9/ 255.
(2) ديوان قيس بن الخطيم، تح ناصر الدين الأسد 59وفي رواية أخرى: تمشي على برديتين.
(3) معجم الأدباء 10/ 166.
(4) معجم البلدان 1/ 386.
(5) فسر الأنباري المتوفى سنة 328هـ وابن السكيت وغيره البرديتين بساقي المرأة كأنهما ورقتان برديتان في بياضهما، ولو كان الأمر كذلك لقال: تخطو ببرديتين، وليس تمشي أو تخطو على برديتين، فهو يشير هنا إلى حياة الترف التي تحياها هذه المرأة، انظر: ديوان قيس بن الخطيم 59.