وليكون الحكم دقيقا في تحديد عمرها ونسبتها، فلا بدّ من أن تدرس هذه المصاحف دراسة اكتناهية دقيقة شاملة، مع العلم بأنّ مثل هذه الدراسة محفوفة بالعقبات، منها: الصبر الطويل والخبرة الواسعة، إلا أنها ممكنة في الوقت الحاضر لوجود التقنيات المختلفة التي تحدد عمر الرق والمداد [1] .
وهذا كله يؤكد أنّ القرآن العزيز أول ما كتب في صحف، وحفظت هذه الصحف بين لوحين أو دفتين، ليس على شكل لفافة، تقليدا لتوراة اليهود التي ما زال اليهود يكتبونها على الوجه الداخلي للرق فقط ويلفونها بين عمودين [2] ، وليس بين لوحين، وهذا النظام في حفظ الكتاب بين لوحين لم يكن غريبا عند أولئك الصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة، لأنه كان معروفا فيها [3] ، وما تزال أناجيلهم تكتب على الرقوق بين دفتين حتى اليوم، وقد رأيت أكثر من أنموذج منها عرض للبيع مكتوبا على رقّ مصنوع حديثا.
ويؤيد هذا أنّ أبا القاسم الحسين بن محمد، المعروف ب: الراغب الأصفهاني المتوفى في حدود سنة 502هـ أثنى على كتاب رآه في الطائف مكتوب بالخط الكوفي على الرّق ومغلف بلوحين من الخشب [4] .
وفي الحديث الشريف: «فتوضع السجلات في كفة» وهي جمع سجلّ وهو الكتاب الكبير [5] ، ويمكن التعبير عنه بالصحيفة الكبيرة، ومثل ذلك في قوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمََاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [6] .
(1) حاول صلاح الدين المنجد دراسة بعض نماذجها في دراسات في تاريخ الخط العربي فأحسن إلا أنه لم يصل إلى نتيجة يطمئن الباحث الناقد إليها.
(2) سفند دال، تاريخ الكتاب 21.
(3) السيرة النبوية 1/ 335، = وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله =.
(5) النهاية في غريب الحديث 2/ 344.
(6) سورة الأنبياء 104.