وهنا لا بدّ من الافتراض حين يعوزنا الدليل، فقد عرفنا أنّ المداد الزاجي كان معروفا في الشام وفلسطين، فقد كتب به الآراميون، وبه كتبت وثائق البحر الميت، وبه كتب الفراعنة واليونان والرومان، فلا بدّ من أن قريشا تعلمت صناعته واستعملت المواد المتوفرة في بيئتها، فإن عمله لا يحتاج إلى أكثر من الماء والصمغ النباتي والسناج وإلى قطع من الحديد الصديء الذي ينتج نوعا من الزاج.
والزاج أنواع واسمه وهو ملح المعادن أو سلفات المعادن وله قوام الأملاح الهشة، فسلفات النحاس زرقاء، وسلفات الحديد خضراء وسلفات الزنك بيضاء وهذه كلها إذا حلّت في الماء يتكون منها محلول حامضي له لون عكر، ولها مسميات مختلفة عند الوراقين فيقولون: زاج قبرصي وزاج أبيض وزاج رومي وزاج عراقي وزاج مصري وزاج أخضر وزاج سوري أو شامي وغير ذلك [1] ، فإذا خلط هذا المحلول بمحلول العفص، الذي يسمى: (وهو نتوءات تنمو على سيقان أشجار السنديان والبلوط تسببها حشرة تضع بيضها فيها) يكوّن محلولا قلويا، وأضيف إليه مسحوق السناج أو الصناج:،، أو السخام أو مسحوق الفحم الناعم وماء الصمغ العربي بنسب معينة سمى هذا حبرا أو مدادا زاجيا، وهو حبر لا يمحى بسهولة ولا يتأثر بالماء وبه كتبت مخطوطات القرون الإسلامية الأولى، فإذا زادت نسبة الزاج في المداد أحرقت الكتابة الكاغد أو الرّقّ وهذا الأثر يراه المفهرس في كثير من المخطوطات القديمة والحديثة، وإذا زادت نسبة الصمغ فيه تلاصقت الأوراق بأقل رطوبة تتعرض لها.
(1) عن أنواع الزاج، انظر: كتاب الاعتماد في الأدوية المفردة للجزار نشر سزكين، 175174.