ولما كانت مهمة الفهرسة تكمن في إعداد البيانات وتيسير المعلومات عن هذه المخطوطة أو تلك، فهي هنا مفتاح الباحث الذي يلج به إلى محتويات الخزائن وكنوزها، وهي بعد الدليل إلى تمييز هذه المخطوطة عن أختها، وذلك بتعيين الملامح المادية وتحديدها لكلّ منهما، لأنّ نسختين من مخطوطة واحدة لا تتشابهان إطلاقا كتشابه نسختين من كتاب مطبوع حتى ولو نسخهما ناسخ واحد. وهنا تتميز فهرسة المخطوط عن المطبوع، لأن التعامل مع المخطوطات يختلف اختلافا جذريا في مقارنته مع المطبوعات بصنوفها المختلفة، وهذا الاختلاف لا يكمن في كون المخطوطات أهمّ علميا، أو أغلى قيمة مادية من المطبوعات، بل لأنّ التعامل مع المخطوطات، يتطلب صفات وقابليات وميولا في المفهرس لا تستلزمها المطبوعات، والسبب يكمن في أنّ المخطوطة نفسها عالم قائم بذاته، متميز عن غيره، منفرد بدقائقه وتفصيلاته وصفاته، ولا يستطيع أن يلج هذا العالم ويكتشف خباياه إلّا من أوتي صبرا عميقا، وجلدا وثيقا، وهمّة عالية، ورغبة طاغية، وحب استطلاع أصيل لاستكشاف المجهول في كل ثنية ورقة غائرة، أو جرّة قلم عابرة، أو حروف امتلاك مطموسة، أو تعقيبة مبتورة، أو مقابلة مبلولة، أو إجازة مخرومة، أو ترقيم مقطوع، أو تاريخ مزوّر، أو عنوان مزيف، أو
قراءة قارئ ممسوحة أو مطموسة، أو سماع مؤرخ، أو تقييد وقف مغصوب مطموس أو اسم ناسخ مقوّر عمدا، أو ختم باهت، أو تعويذة أرضة ملغوزة [1]
أو تجليد منحول أو تقييد إعارة مبشور، فهل كل هذا موجود في الكتاب المطبوع؟
ومن هنا نخلص إلى أنّ فهرسة المخطوطات ليست أمرا هيّنا وعملا يسيرا يقوم به من شاء وكما يشاء ممن عانى تحقيقا لنص، أو نشرا لرسالة، أو قراءة في مخطوطة، بل إنها فن وصنعة، قوامها الهواية، وسداها الخبرة، ولحمتها الدربة الطويلة والمران المستمر، والدراسة العميقة الدقيقة لكل جانب جمالي وصناعي وفكري في المخطوطة، إذ لا يكفي معرفة المفهرس بأنواع الخطوط، وتطورها واشتقاقاتها والجلود وأصنافها وطرز عملها والأمدة والأحبار والأصباغ ووسائل صناعتها وموادها، والأوراق والرقوق والطروس والقراطيس والمهارق وأنواع القباطي [2] والكرابيس والزخرفة والتذهيب والتسفير (التجليد) وما إلى ذلك من الجوانب الفنية، ليكون مفهرسا خبيرا جيدا دون أن يكون أيضا على معرفة واسعة بالفكر الإسلامي بكل جوانبه المختلفة: من تاريخ وفقه وخلاف وقضاء وأوقاف وأنظمة الدواوين، وأدب وشعر ولغة وعقائد وفرق وما يدور حول كلّ هذا وزيادة.
فإنّ في عملية الفهرسة مشكلات كثيرة، يمر بها القارئ الحصيف والمحقق المدقق فلا يقف بصره عندها، ولا تثير في نفسه تحديا يحمله على معاناة فكّ ألغازها، وحلّ معمياتها التي تعارف عليها النساخ والقرّاء قرونا طويلة، فقد تعترض سبيل المفهرس بعض هذه الألغاز، فيقف أمامها حائرا
(1) هذه عباراتي نقلها عابد سليمان المشوخي عني في كتابه فهرسة المخطوطات العربية 191والظاهر أنه نسي الإشارة إلى مصدرها.
(2) القباطي: هي ثياب تصنع من الكتان في مصر كانت غاية في البياض والنقاء.