قلقا وجلا، يقلبها على جوانبها ويكدّ عقله وخياله حتى يجد لها حلا يرضيه، ناهيك عما يتطلبه الأمر من البحث الطويل والتنقير الممعن في المراجع المختلفة للتثبت والتأكد مما لديه [1] .
المعروف أنّ المخطوطات تتفاوت في حالاتها، وتكويناتها الخارجية والداخلية عند وصولها إلى يد المفهرس، فبعضها تصل كاملة غير منقوصة، وبعضها عفّى الزمن والعيث على أوائلها، وبعضها تجرأت العوامل البشرية على استلاب أواخرها، وبعضها كان محظوظا فوقعت بيد من صان قدرها المهان، فاستكمل ما ضاع من جوانبها، وبعضها انخرمت بعض كراريسها الداخلية فتاهت وتناقلتها الأيدي زمانا ثم وصلت إلينا هذه الكراريس على استحياء، وبعضها فقدت جلودها فلم تحظ بمن يجدد لها جلودها، وبعضها احتمى بها صاحبها من المطر فسدّ بها كوّة في مسكنه فحمته من البرد والبلل ولم تحم نفسها، وبعضها عبث بها المزورون فحرّفوا عناوينها وأسماء مؤلفيها ونساخها وعبثوا بترقيمها أو كشطوا ما يدلّ على أجزائها، وهذه كلها موجودة في المخطوطات التي تمرّ على يد المفهرس وزيادة، ناهيك عن عيث الأرضة الجائعة [2] التي لا تقرأ الألغاز ولا التعاويذ.
من كلّ ذلك نخلص إلى أنّ المشكلة الأولى في علم فهرسة المخطوطات، تكمن في إعداد المفهرس المؤهل، ولا يتم إعداده إلا إذا تبنّت الجامعات العربية فتح أقسام لتدريب المفهرسين، وعلى أن يقوم بالتدريب فيها من أوتي دربة واسعة وخبرة وثيقة في تعامله مع فهرسة المخطوطات ولا المطبوعات، ويكون على علم بمشكلاتها، لأنّ خبراء أوعية المعلومات، وخريجي أقسام المكتبات والمعلومات، في الوطن العربي، يفتقرون إلى
(1) فهرسة المخطوطات العربية 192191.
(2) المصدر نفسه 192.