قال أبو شامة: [إن القلفة من المستقذرات عند العرب، وقد كثر ذم الأقلف- أي غير المختون ـ في أشعارهم، وكان للختان عندهم قدر، وله وليمة خاصة به، وأقر الإسلام ذلك] (11) .
والختان مما جرى عليه المسلمون وعملوا به، وتوارثوه كابرًاعن كابر، بقضهم وقضيضهم، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا في أمر واجب.
وقد لخص ابن حجر آراء العلماء في حكم الختان كما يأتي؛ قال:[ذهب إلى وجوب الختان .. الشافعي وجمهور أصحابه، وقال به من القدماء عطاء، حتى قال: لو أسلم الكبير لم يتم إسلامه حتى يختتن ..
وعن أحمد وبعض المالكية: يجب ..
وعن أبي حنيفة: واجب وليس بفرض 00 (12) .
وذكر النووي أنه سنة عند مالك وكثير من العلماء (13) .
وقال ابن القيم: [اختلف الفقهاء في ذلك، فقال الشعبي، وربيعة، والأوزاعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك (14) وا الشافعي وأحمد: هو واجب. وشدد. فيه مالك حتى قال: من لم يختتن لم تجز إمامته ولم تقبل شهادته ..
(11) "فتح الباري": 10/ 342.
(12) "فتح الباري": 10/ 343.
(13) "المجموع":3/ 148.
(14) يبدو أنه روي عن الإمام مالك القولان، وإن كان المذهب على أنه سنة مؤكدة كم ذكر ذلك ابن جزي في"القوانين الفقهية": ص 129؛ إذ قال: [أما ختان الرجل فسنة مؤكدة عند مالك وأبى حنيفة كسائر خصال الفطرة التى ذكر معها وهى غير واجبة اتفاقًا] .
ونقل كثير من الفقهاء عن مالك أنه سنة، حتى قال القاضي عياض: الاختتان عند مالك وعامة العلماء سنة، ولكن السنة عندهم يأثم بتركها، فهم يطلقونها على مرتبة بين الفرض والندب (1) ، وإلا فقد صرح مالك بأنه لا تقبل شهادة الأقلف، ولا تجوز إمامته.
وقال الحسن البصري وأبو حنيفة: لا يجب، بل هو سنة. وكذلك قال ابن أبي موسى من أصحاب أحمد: سنة مؤكدة] (16) .
وقال ابن قدامة في"المغني": [فأما الختان فواجب على الرجال ومكرمة في حق النساء، وليس بواجب عليهن، هذا قول كثير من أهل العلم، (17) ثم قال: [وإن أسلم رجل كبير فخاف على نفسه من الختان سقط عنه، لأن الغسل والوضوء وغيرهما يسقط إذا خاف على نفسه منه، فهذا أولى] (18) .
والرأي الذي نرجحه أنه واجب على الذكور فقط للأدلة التى ذكرها المحبون وقد ذكرنا بعضها آنفًا، ولكن يسقط هذا الواجب على من أسلم وخاف على نفسه من فعله، وهو على أي حال ليس شرطًا في صحة إسلام المرء ولا في صحة عباداته. وقد ذكر كثير من العلماء أنه من شعائر الإسلام وخصائصه، فلو اجتمع أهل بلدة على تركه حاربهم الإمام كما لو تركوا الأذان (19) .
(15) وهذا هو الذي يدعوه الحنفية واجبا.
(16) "تحفة المولود": ص 162.
(17) "المغني": 1/ 70.
(18) "المغني": 1/ 71.
(19) "حاشية أبي عابدين": 5/ 478، وانظر"تحفة المودود"، فقد ذكر ابن القيم في أكثر من موضع من الباب الذي أفرده للختان، أن من شعائر الإسلام (انظر الصفحات 165 ـ 166 ـ 168 ــ 171 ــ 174 ــ 177 من طبعة الشيخ عبد القادر الأرناؤوط) ، ونقل كلام عدد من العلماء في ذلك.
وقته:
وأما الوقت الذي يشرع فيه الختان فقد قال الماوردي: [له وقتان: وقت وجوب، ووقت استحباب. فوقت الوجوب: البلوغ، ووقت الاستحباب: قبله، والاختيار في اليوم السابع من الولادة] (25) .
وهذا أمر اختلف فيه العلماء، والمهم أن يكون الصبي عند البلوغ مختونًا، وقد جرى الناس على ختن صبيانهم في وقت مبكر بعد ولادتهم بزمن غير طويل، وهذه عادة طيبة، ولم يثبت في حديث تقوم به الحجة وقت محدد لهذا الواجب.
أخرج أبو الشيخ عن جابر أن النبي r ختن حَسَنًا وحسينًا لسبعة أيام (21) . قال الوليد بن مسلم: فسألت مالكًا عنه، فقال:"لا أدري! ولكن الختان طهرة، فكلما قدمها كان أحب إلي" (22) .
وقال النووي في كتاب"الروضة": [وإنما يجب الختان بعد البلوغ .. ويستحب أن يختن في السابع من ولادته، إلا أن يكون ضعيفًا لا يحتمله، فيؤخر حتى يحتمله] (23) .
(20) "فتح الباري": 10/ 342.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)