فهرس الكتاب

الصفحة 3314 من 3779

سبب النزول: ابن عبّاس - رضيَ الله عنهما: نزلت في المشركين كانوا ينالون من

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيخبره جبريلُ بما قالوا فيه ونالوا منه، فيقول بعضُهم لبعضٍ: أسروا

قولكم كي لا يسمعَ إلهُ محمدٍ" (1) ."

والمعنى: سواءٌ على الله تعالى الإسرارُ والإجهارُ؛ لأنَّه يعلمُ مضمَرات القلوب وما

تُخفي الصدور.

{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} : أي: ألا يعلم السَّر (2) من خلق السِّر.

وقيل: ألا يعلم ما في الصدور مَن خلق الصدور.

وقيل: ألا يعلم من خلق الأشياء ما في صدور عباده (3) .

و {مَنْ} في هذه الوجوه رفعٌ (4) .

وقيل: التقدير: ألا يعلم اللهُ مَن خلق، أي: خلقهم، فيكون في محلّ نصب (5) .

وقيل: {مَنْ} ، بمعنى (ما) . وفيه بعدٌ.

{وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) } : العالم بدقائق الأشياء وبواطنها.

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا} قوله: {ذَلُولًا} (6) ليّنةً سهلةً

مذلَّلةً يَسهل لكم السلوكُ فيها.

وقيل: ليّنها بالجبال حتى تستقرَّ ولا تزولُ بأهلها (7) .

{فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} جوانبها، ومنكبا الرجل جانباه، وقيل: في جبالها،

وقيل: في طرقها (8) (9) .

{وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} : والتمسوا من الله الرِّزق.

{وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) } : المرجعُ فيُجازيكم بأعمالكم.

{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} : قيل: هو الله - سبحانه وتعالى - (10) ، على تقدير: مَنْ

في السَّماء عرشُه وسلطانُه (11) .

وقيل: هم: الملائكة (12) .

{أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} : بأمر الله.

وقيل: خاطب العربَ على ما كانوا يعتقدونه، فإنهم زعموا أن الأصنامَ آلهةٌ للأرض وأن اللهَ إلهُ السماء.

وقيل: خصَّ السماءَ بالذكر تعظيمًا لها وتفخيمًا لشأنها.

قال أبو القاسم:"قال الله تعالى: إنه في السماء، ولم يقل إنه ليس في غيرها، قال: ونحن نقول بكلّ مكانٍ (13) ، على أنه حافظٌ لكل مكانٍ عالمٌ به مدبّرٌ له" (14) .

وقيل: {مَنْ فِي السَّمَاءِ} أي: على السَّماء، كقوله: {فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] .

{أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} : يشقُّ الأرضَ فيُغيبكم فيها، كما خَسف بقارون.

{فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) } : تضطرب وتتحرك.

والمورُ: التردّدُ في المجيء والذهاب.

{وأَنْ يَخْسِفَ} بدل من {مَنْ} ، وأجاز النحاسُ أنْ يكونَ مفعولًا به (15) .

وقدَّم الخسف على الحصب؛ لأنَّ المخاطبين في الأرض، فهي إليهم أقرب (16) .

{أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} : حجارةً، والحاصب والحصباء واحدٌ.

وقيل: الحاصب مطرٌ فيه حصباءُ، كما فعل بأصحاب لوط.

وقيل: {حَاصِبًا} : سَحابًا فيه حجارةٌ.

وقيل: كان الحجر يحصب (17) .

(1) انظر: تفسير الثعلبي (9/ 359) ، أسباب النزول للواحدي (ص: 360) ، تفسير البغوي (8/ 178) .

(2) "السِّر"ساقطة من (ب) .

(3) انظر: تفسير مقاتل (3/ 383) ، جامع البيان (29/ 6) .

(4) انظر: مشكل إعراب القرآن (2/ 745) ، المحرر الوجيز (5/ 340) .

(5) وقد تعقَّب هذا القول النَّحَّاس ومكي، قال أبو جعفر النَّحَّاس:"ربَّما توهم الضعيف في العربية أنَّ"مَنْ"في موضع نصب، ولو كان موضعها نصبًا لكان: ألا يعلم ما خلق؛ لأنه راجع إلى ... {بِذَاتِ الصُّدُورِ} ، وإنما التقدير: إلا يعلم من خلقها سِرَّها وعلانيتها" [إعراب القرآن (4/ 309) ] .

وقال مكي:"وقد قال بعض أهل الزيغ: إن"من"في موضع نصب اسم للمسرِّين والجاهرين، ليخرج الكلام عن عمومه ويدفع عموم الخلق عن الله جلَّ ذكره، ولو كان كما زعم لقال: ألا يعلم ما خلق؛ لأنه إنما تقدَّم ذكر ما تُكِنُّ الصُّدور، فهو في موضع"ما"ولو أتت"ما"في موضع"مَنْ"لكان فيه أيضًا بيان العموم: أنَّ الله خالق كلِّ شيء من أقوال الخلق أسروها أو أظهروها خيرًا كانت أو شرًا، ويقوى ذلك قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} ، ولم يقل: عليم المُسِرِّين والجاهرين، وتكون"ما"في موضع نصب، وإنما تخرج الآية من هذا العموم إذا جعلت"مَنْ"في موضع نصب اسمًا للأناس المخاطبين قبل هذه الآية، وقوله: {بِذَاتِ الصُّدُورِ} يمنع من ذلك" [مشكل إعراب القرآن (2/ 746) ] .

(6) "قوله: {ذَلُولًا} "ساقطة من (أ) .

(7) انظر: تفسير مقاتل (3/ 383) ، جامع البيان (29/ 6) .

(8) في (ب) {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} : جوانبها، ومنكبا الرجل ... قوله: {ذَلُولًا} : ليّنةً سهلةً ... تزولُ بأهلها"."

(9) انظر: تفسير مقاتل (3/ 383) ، جامع البيان (29/ 6) ، تفسير البغوي (8/ 178) .

(10) وهذا هو الصحيح كما قرر ابن أبي العز وغيره من أهل السُّنة.

(11) هذا التقدير باطل فهو على مذهب الأشاعرة في نفي صفة العلو لله تعالى، فهم لا يثبتون علو الذَّات، وإنما يُثبتون علو القهر والغلبة والسُّلطان.

(12) قال ابن أبي العز في النصوص المصرحة بأنه تعالى في السماء:"وهذا عند المفسرين من أهل السنة على أحد وجهين:"

-إما أن تكون {في} بمعنى (على) .

-وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز الحمل على غيره" [شرح العقيدة الطحاوية ... (2/ 383) ، وانظر: شرح العقيدة الواسطية؛ لابن عثيمين (1/ 397) ] ."

(13) يقيد القول بأنه بكل مكان بعلمه وتدبيره لا كما قالت الجهمية والمعتزلة وأهل الحلول أنه حال بكل مكان، وهذا باطل - تعالى الله عن ذلك -

(14) لم أقف عليه.

(15) انظر: إعراب القرآن (4/ 309) .

(16) انظر: البرهان؛ للكرماني (ص: 314) ، التحرير والتنوير (29/ 36) .

(17) انظر: تفسير مقاتل (3/ 383) ، جامع البيان (29/ 7) ، لسان العرب (1/ 318) ، مادة (حَصَبَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت