المبحث الثاني: الجواب عن الأحاديث
ظاهر هذه الأحاديث اختلفت في اختيار أبي موسى أن يكون بوابا أو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بذلك.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: [قوله: (فقلت: لأكونن بوابا للنبي - صلى الله عليه وسلم - اليوم) ظاهره أنه اختار ذلك، وفعله من تلقاء نفسه، وقد صرح بذلك في رواية محمد بن جعفر عن شريك في الأدب فزاد فيه (ولم يأمرني) قال ابن التين: فيه أن المرء يكون بوابا للإمام وإن لم يأمره. كذا قال، وقد وقع في رواية أبي عثمان الآتية في مناقب عثمان عن أبي موسى: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل حائطا، وأمره بحفظ باب الحائط) (1) ووقع في رواية عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب في هذا الحديث (فقال: يا أبا موسى املك على الباب، فانطلق فقضى حاجته وتوضأ، ثم جاء فقعد على قف البئر) أخرجه أبو عوانة في صحيحه والروياني في مسنده (2) ، وفي رواية الترمذي (3) من طريق أبي عثمان عن أبي موسى (فقال لي: يا أبا موسى املك على الباب فلا يدخلن علَي أحد) فيجمع بينهما بأنه لما حدث نفسه بذلك، صادف أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يحفظ عليه الباب، وأما قوله: (ولم يأمرني) فيريد أنه لم يأمره أن يستمر بوابا، وإنما أمره بذلك قدر ما يقضي حاجته ويتوضأ، ثم استمر هو من قبل نفسه] (4)
وقال النووي رحمه الله: [يحتمل أنه - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يكون بوابا في جميع ذلك المجلس؛ ليبشر هؤلاء المذكورين بالجنة - رضي الله عنهم -، ويحتمل أنه أمره بحفظ الباب أولا إلى أن يقضي حاجته ويتوضأ؛ لأنها حالة يستتر فيها، ثم حفظ الباب أبو موسى من تلقاء نفسه] (5)
الخلاصة: أنه لما حدث نفسه بذلك، صادف أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يحفظ عليه الباب، ويحتمل أنه أمره بحفظ الباب أولا إلى أن يقضي حاجته ويتوضأ؛ لأنها حالة يستتر فيها، ثم حفظ الباب أبو موسى من تلقاء نفسه.
(1) سبق تخريجه.
(2) مسند الروياني (1/ 171)
(3) سبق تخريجه.
(4) فتح الباري 8/ 365، وعمدة القاري 24/ 378
(5) شرح النووي على مسلم15/ 170