المبحث الثاني: الجواب عن الحديثين
ظاهر هذه الأحاديث اختلفت في مكان انشقاق القمر، ففي حديث ابن مسعود أخبر أنه انشق في منى، وحديث أنس في مكة.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: [قوله: (انشق القمر، ونحن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى) في رواية مسلم من طريق علي بن مسهر، عن الأعمش (بينما نحن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى إذ انفلق القمر) ، وهذا لا يعارض قول أنس: أن ذلك كان بمكة؛ لأنه لم يصرح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ليلتئذ بمكة، وعلى تقدير تصريحه، فهي من جملة مكة، فلا تعارض. وقد وقع عند الطبراني (1) ، من طريق زر بن حبيش، عن ابن مسعود قال: (انشق القمر بمكة فرأيته فرقتين) (2) وهو محمول على ما ذكرته، وكذا وقع في غير هذه الرواية، وقد وقع عند ابن مردويه بيان المراد، فأخرج من وجه آخر عن ابن مسعود قال: (انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونحن بمكة قبل أن نصير إلى المدينة) فوضح أن مراده بذكر مكة الإشارة إلى أن ذلك وقع قبل الهجرة، ويجوز أن ذلك وقع وهم ليلتئذ بمنى] (3)
الخلاصة: تصريحه بانفلاق القمر في منى لا يعارض قول أنس أن ذلك كان في مكة؛ لأنه لم يصرح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ليلتئذ بمكة، وعلى تقدير تصريحه فهي من جملة مكة؛ لتعليلات العلماء وتوجيهاتهم.
المبحث الأول: تخريج الأحاديث والحكم عليها
أولا:
حديث أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة (4) ، رضي الله عنهما (( أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - حدثهم عن ليلة أسري به، بينما أنا في الحَطِيم(5) - وربما قال: في
(1) في المعجم الكبير 10/ 75
(2) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (2/ 266)
(3) فتح الباري 8/ 598، ووافقه: العيني في عمدة القاري 17/ 10
(4) مالك بن صعصعة الأنصارى المازني من بني مازن بن النجار، روى عنه أنس بن مالك حديث الإسراء. قال البغوي سكن المدينة وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثين. ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب 3/ 1352، والإصابة 5/ 728
(5) الحطيم: هو ما بين الركن والباب. وقيل: هو الحجر المخرج منها، سمي به: لأن البيت رفع وترك هو محطوما، وقيل: لأن العرب كانت تطرح فيه ما طافت به من الثياب، فتبقى حتى تنحطم بطول الزمان، فيكون فعيلا بمعنى فاعل. النهاية في غريب الحديث والأثر 1/ 403، ومعجم البلدان 2/ 273