المبحث الثاني: الجواب عن الحديثين
ظاهر هذه الأحاديث اختلفت في دخول الجنة من الأبواب كلها
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: [قوله: (فقال: أبو بكر ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة) زاد في الصيام: (فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟) (1) وفي الحديث إشعار بقلة من يدعى من تلك الأبواب كلها، وفيه إشارة إلى أن المراد ما يتطوع به من الأعمال المذكورة، لا واجباتها لكثرة من يجتمع له العمل بالواجبات كلها، بخلاف التطوعات فقَلَّ من يجتمع له العمل بجميع أنواع التطوعات، ثم من يجتمع له ذلك إنما يدعى من جميع الأبواب على سبيل التكريم له، وإلا فدخوله إنما يكون من باب واحد، ولعله باب العمل الذي يكون أغلب عليه والله أعلم، وأما ما أخرجه مسلم عن عمر (من توضأ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله) الحديث وفيه (فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء) (2) فلا ينافي ما تقدم، وإن كان ظاهره أنه يعارضه؛ لأنه يحمل على أنها تفتح له على سبيل التكريم، ثم عند دخوله لا يدخل إلا من باب العمل الذي يكون أغلب عليه كما تقدم، والله أعلم] (3)
الخلاصة: أنه يحمل على أنها تفتح له على سبيل التكريم، ثم عند دخوله لا يدخل إلا من باب العمل الذي يكون أغلب عليه.
المبحث الأول: تخريج الأحاديث والحكم عليها
أولا:
حديث سعيد بن المسيب، قال: أخبرني أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - (( أنه توضأ في بيته، ثم خرج فقلت: لألزمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولأكونن معه يومي هذا، قال: فجاء المسجد فسأل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: خرج ووجه هاهنا، فخرجت على إثره أسأل عنه، حتى دخل بئر أريس، فجلست عند الباب، وبابها من جريد حتى قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجته، فتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب الريان للصائمين (1897) 3/ 32، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب من جمع الصدقة وأعمال البر (1027) 2/ 711
(2) سبق تخريجه.
(3) فتح الباري 8/ 351، ووافقه: الزرقاني في شرحه لموطأ الإمام مالك 3/ 67