المبحث الثاني: الجواب عن الحديثين
ظاهر هذه الأحاديث اختلفت في جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - أبويه لغير سعد بن مالك - رضي الله عنه -؟
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: [قوله: (جمع لي النبي - صلى الله عليه وسلم - أبويه يوم أحد) (1) أي: في التفدية، وهي قوله: فداك أبي وأمي، وبيَّنه حديث علي (ما جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبويه لأحد غير سعد بن مالك، فإنه جعل يقول له يوم أحد: ارم فداك أبي وأمي) وقد تقدم في الجهاد (2) ، وفي هذا الحصر نظر؛ لما تقدم في ترجمة الزبير (أنه - صلى الله عليه وسلم - جمع له أبويه يوم الخندق) (3) ، ويجمع بينهما: بأن عليا - رضي الله عنه - لم يطلع على ذلك، أو مراده بذلك بقيد يوم أحد، والله اعلم] (4)
قال القاضي عياض رحمه الله: [وقول سعد: (ما جمعهما لأحد غيري) ذلك بمبلغ علمه، وقد جاء أنه قال ذلك للزبير بعد هذا ولغيره] (5)
قال القرطبي رحمه الله [وقوله: (لقد جمع لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبويه يومئذ، فقال: فداك أبي وأمي) هذا الحديث يدل على أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع أبويه لغير سعد بن أبي وقاص، وحينئذ يشكل بما رواه الترمذي (6) من قول علي: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما جمع أبويه لأحد إلا لسعد) وقال له يوم أحد: (فداك أبي وأمي) ، ويرتفع الإشكال بأن يقال: إن عليًّا أخبر بما في علمه، ويحتمل أن يريد به أنه لم يقل ذلك في يوم أُحد لأحد غيره، والله تعالى أعلم] (7)
الخلاصة: يرتفع الإشكال بأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يجمع والديه بالتفدية يوم أحد لغير سعد - رضي الله عنه -، أو بأن عليا - رضي الله عنه - أخبر بما في علمه؛ لتعليلات العلماء وتوجيهاتهم.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، باب مناقب سعد بن أبي وقاص الزهري - رضي الله عنه - (3725) 5/ 27، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب في فضل سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - (2412) 4/ 1876
(2) حديث رقم (2905) .
(3) تقدم تخريجه في المبحث الأول من هذا الفصل.
(4) فتح الباري 8/ 440
(5) إكمال المعلم 7/ 214، وشرح النووي على مسلم 15/ 184
(6) في سننه، كتاب المناقب، باب مناقب سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - 5/ 130
(7) المفهم 20/ 39