المبحث الثاني: الجواب عن الحديثين
ظاهر هذه الأحاديث اختلفت ففي حديث أبي هريرة أن وفد جن نصيبين سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - الزاد، وأنه أجابهم بسؤال الله عز وجل لهم ذلك، وليس فيه أنه عليه السلام قرأ عليهم شيئا من القرآن، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أنه لما حيل بينهم وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب بحثوا عن ذلك، فوافوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ في الفجر، فسمعوا القرآن، وأنزل الله سورة الجن.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: [قوله: وقول الله - عز وجل - (? ? ? ? ? پ پ پ) (1) الآية، يريد تفسير هذه الآية، وقد أنكر ابن عباس أنهم اجتمعوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم في الصلاة من طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: (ما قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - على الجن ولا رآهم) (2) الحديث، وحديث أبي هريرة في هذا الباب، وإن كان ظاهرا في اجتماع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجن وحديثه معهم، لكنه ليس فيه أنه قرأ عليهم، ولا أنهم الجن الذين استمعوا القرآن؛ لأن في حديث أبي هريرة أنه كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلتئذ، وأبو هريرة إنما قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - في السنة السابعة المدينة، وقصة استماع الجن للقرآن كان بمكة قبل الهجرة، وحديث ابن عباس صريح في ذلك، فيجمع بين ما نفاه وما أثبته غيره: بتعدد وفود الجن على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأما ما وقع في مكة: فكان لاستماع القرآن والرجوع إلى قومهم منذرين كما وقع في القرآن، وأما في المدينة: فللسؤال عن الأحكام، وذلك بيِّن في الحديثين المذكورين، ويحتمل أن يكون القدوم الثاني كان أيضا بمكة، وهو الذي يدل عليه حديث ابن مسعود كما سنذكره، وأما حديث أبي هريرة: فليس فيه تصريح بأن ذلك وقع بالمدينة، ويحتمل تعدد القدوم بمكة مرتين، وبالمدينة أيضا] (3)
قال البيهقي رحمه الله:[حديث ابن عباس حكى ما وقع في أول الأمر عندما علم الجن بحاله - صلى الله عليه وسلم -، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم كما حكاه، ثم أتاه داعي الجن مرة أخرى، فذهب معه وقرأ عليهم القرآن كما حكاه عبد
(1) [سورة الجن:1]
(2) سبق تخريجه.
(3) فتح الباري 8/ 577
ووافقه: العيني في عمدة القاري 16/ 309، و السندي في حاشيته 2/ 553