المبحث الثاني: الجواب عن الحديثين
ظاهر هذه الأحاديث اختلفت في الصلاة على شهداء أحد.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: [قوله فيه: (ولم يصل عليهم) تقدم الكلام عليه في الجنائز (1) ، وقد أجاب بعض الحنفية عنه بأنه ناف وغيره مثبت، وأجيب بأن الإثبات مقدم على النفي غير المحصور، وأما نفي الشيء المحصور إذا كان راويه حافظا، فإنه يترجح على الإثبات إذا كان راويه ضعيفا: كالحديث الذي فيه إثبات الصلاة على الشهيد، وعلى تقدير التسليم، فالأحاديث التي فيها ذلك إنما هي في قصة حمزة، فيحتمل أن يكون ذلك مما خص به حمزة من الفضل، وأجيب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، ويجاب بأنه يوقف الاستدلال، قالوا: ويمكن الجمع بأنه لم يُصلِّ عليهم ذلك اليوم كما قال جابر، ثم صلى عليهم ثاني يوم كما قال غيره] (2)
قال ابن قدامة رحمه الله: [والشهيد إذا مات في موضعه لم يغسل ولم يُصلّ عليه: يعني إذا مات في المعترك، فإنه لا يغسل. رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، ولا نعلم فيه خلافا إلا عن الحسن و سعيد بن المسيب، قالا: يغسل ما مات ميت إلا جنبا، والاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في ترك غسلهم أولى.
فأما الصلاة عليه: فالصحيح أنه لا يصلى عليه، وهو قول مالك (3) والشافعي (4) وإسحاق، وعن أحمد رواية أخرى: أنه يصلى عليه اختارها الخلال، وهو قول الثوري و أبي حنيفة (5) ، إلا أن كلام أحمد في هذه الرواية يشير إلى أن الصلاة عليه مستحبة غير واجبة، قال في موضع: إن صلي عليه فلا بأس به، وفي موضع آخر قال: يصلي، وأهل الحجاز لا يصلون عليه، وما تضره الصلاة، لا بأس به، وصرح بذلك في رواية المروذي فقال: الصلاة عليه أجود، وإن لم يصلوا عليه أجزأ، فكأن الروايتين في استحباب الصلاة لا في وجوبها، إحداهما: يستحب لما روى عقبة (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر) متفق
(1) فتح الباري 4/ 121
(2) فتح الباري 9/ 156
(3) المدونة 1/ 258
(4) الأم 4/ 235
(5) المبسوط للسرخسي 2/ 49، وبدائع الصنائع 1/ 324