المبحث الثاني: الجواب عن الأحاديث
ظاهر هذه الأحاديث اختلفت في الفتح في غزوة مؤتة.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: [واختلف أهل النقل في المراد بقوله: (حتى فتح الله عليه) هل كان هناك قتال فيه هزيمة للمشركين؟ أو المراد بالفتح انحيازه بالمسلمين حتى رجعوا سالمين، ففي رواية ابن إسحاق (1) ، عن محمد بن جعفر، عن عروة (فحاش خالد الناس، ودافع وانحاز وانحيز عنه، ثم انصرف بالناس) وهذا يدل على الأول، ويؤيده ما تقدم من بلاغ سعيد بن أبي هلال في الحديث الأول، وذكر ابن سعد، عن أبي عامر (أن المسلمين انهزموا لما قتل عبد الله بن رواحة حتى لم أر اثنين جميعا ثم اجتمعوا على خالد) وعند الواقدي (2) من طريق عبد الله بن الحارث بن فضيل عن أبيه قال: (لما أصبح خالد بن الوليد، جعل مقدمته ساقة، وميمنته ميسرة، فأنكر العدو حالهم، وقالوا: جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين) وعنده من حديث جابر قال: (أصيب بمؤتة ناس من المشركين، وغنم المسلمون بعض أمتعة المشركين) ، وفي مغازي أبي الأسود، عن عروة (فحمل خالد على الروم فهزمهم) وهذا يدل على الثاني، أو يمكن الجمع: بأن يكونوا هزموا جانبا من المشركين، وخشى خالد أن يتكاثر الكفار عليهم، فقد قيل: إنهم كانوا أكثر من مائة ألف، فانحاز بهم حتى رجع بهم إلى المدينة) وهذا السند وإن كان ضعيفا من جهة الانقطاع، والآخر من جهة ابن لهيعة الراوي عن أبي الأسود، وكذلك الواقدي، فقد وقع في المغازي لموسى بن عقبة، وهي أصح المغازي كما تقدم، ما نصه (ثم أخذه -يعني اللواء- عبد الله بن رواحة، فقتل، ثم اصطلح المسلمون على خالد بن الوليد، فهزم الله العدو وأظهر المسلمين) قال العماد بن كثير (3) : يمكن الجمع بأن خالدا لما حاز المسلمين، وبات ثم أصبح وقد غير هيئة العسكر كما تقدم، وتوهم العدو أنهم قد جاء لهم مدد، حمل عليهم خالد حينئذ، فولوا فلم يتبعهم، ورأى الرجوع بالمسلمين هي الغنيمة الكبرى] (4)
(1) سيرة ابن هشام 2/ 379
(2) في مغازيه 2/ 764
(3) السيرة النبوية لابن كثير 3/ 469
(4) فتح الباري 9/ 372