أ - التنزيل: الذي يدل على نزوله متفرقا كما استفاده جمع من المفسرين «1» وهو ما يؤكده القرآن الكريم في أنه لا يعبر بصيغة التنزيل إذا كان الحديث في مقام البيان عن القرآن كوحدة متكاملة بمعنى الكتاب كاملا دفعة واحدة، قال تعالى:
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ .. [آل عمران: 7] ، وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: 2] .
ب - الإنزال: بما يدل على كون المقصود إنزاله دفعة واحدة يشمل الكتاب كله، ومما يؤكد هذا قوله تعالى: كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف: 2] ، وقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: 1] .
ومما لا شك فيه أن في هذا النزول المتفرق طيلة نيف وعشرين سنة حكما وأسرارا دلت على بعضها آيات الكتاب واستفاد المفسرون بعضا آخر منها.
فمما يفهم من ظواهر الآيات مثلا:
1 -أن يتسنى للرسول من قراءته وتلاوته وبيان ما فيه من أحكام وتشريع وعقائد شيئا فشيئا، وهو ما عبّر عنه قوله تعالى: وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: 106] . وفي هذا المجال فإن اللَّه تعالى في هذه الحكمة إنما ينظر إلى الناس باعتبارهم الهدف الرئيسي من تنزيل القرآن بقصد هدايتهم ... «2» .
2 -تثبيتا لفؤاد النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بما يشير إلى تقوية يقين النبي بملازمة الحماية الإلهية له واستمرار حفظ شريعته وأنه تعالى معه فيما يلاقيه من أعدائه، قال تعالى:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: 32] .
وفي الآية عند الزمخشري مقصد إلهي آخر بأن تبين للرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم أن الحكمة في هذا التفريق (تقوى بتفريقه فؤادك حتى تعيه وتحفظه لأن المتلقي إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئا عقيب شيء وجزءا بعد جزء) «3» .
(1) انظر مفاتيح الغيب (21/ 69) ، وجامع أحكام القرآن (10/ 339) ، والميزان (15/ 209) وغيرها.
(2) انظر الصغير: تاريخ القرآن (ص 41) .
(3) الكشاف (3/ 91) .