ومما استفاده المفسرون من وجوه في نزوله متفرقا نواح متعددة يمكن إجمالها فيما يأتي «1» :
1 -إنه صلّى اللَّه عليه وسلّم لم يكن من أهل القراءة والكتابة كمن سبقه من الأنبياء كموسى وعيسى عليهما السلام.
2 -إن هذا النزول نجوما وجه من أوجه إعجازه، فلو كان في مقدور البشر لاستطاعوا أن يأتوا بمثله متفرقا.
3 -إن الوحي كان ينزل بحسب الوقائع والأحداث كجواب على أسئلة المسلمين أحيانا، كما ينزل أحيانا أخرى حين يستشكل على الرسول مسائل لم ينزل بها سابق وحي.
4 -إنه إذا شاهد جبريل حالا بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته ليكون أقوى على أداء الرسالة.
5 -ضرورة التدرج في نزول الأحكام والتعاليم من الأسهل إلى السهل ومن السهل إلى الأصعب، مجاراة لرسوخ تعاليم الدين الجديد في قلوب المؤمنين شيئا فشيئا، ولما في الأحكام من ناسخ ومنسوخ يقتضي النزول مفرقا لبيان كل منهما، حيث ينزل بحسب الوقائع المقتضية ثم ينسخ الحكم أو الآية لانتفاء ضرورتها، أو لأن ما أريد من نزولها قد تحقق أو تسهيلا على المكلفين.
الشكل الثاني: النزول جملة واحدة:
وذلك بنزوله بالشكل الذي هو عليه بين الدفتين بمجموع ما فيه من سور وآيات تمثل النص الموحى الملقى من قبل جبريل عليه السلام على النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم طيلة فترة نزوله. وفي الكتاب الكريم ما يدل على نزوله بهذه الصورة جملة واحدة، قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: 1] ، وقال تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: 185] .
ومن المفسرين من يرى أن هذا النزول المقصود في هذه الآيات وأمثالها يقصد به نزوله قبل أن يلقى إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بمصاديق مختلفة في ذلك: فعن ابن عباس أنه قال: (أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر،
(1) الطبرسي: مجمع البيان (10/ 518) .