فهذه الظاهرة لم يكن للنبي تحكّم في عناصرها ولا قدرة على إيجادها فكان الوحي ينقطع عنه أحيانا حتى يطول انقطاعه ويترى أحيانا في دفق مستمر حتى كان يأتيه في أحوال وظروف مختلفة يقظا ونائما ليلا أو نهارا منفردا أو مع أصحابه.
3 -إننا نجد الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم وهو يتلقى الوحي متحفزا بكل وجوده لعملية التلقي نجده مخاطبا مأمورا مطيعا يتلقى دون أن يكون له دور في تغيير ما يلقى إليه، ولا في تحديد لطريقة الإلقاء ولا يصدر عنه أي تصرف في عناصر هذا الوحي. فكل ما له من دور هو أن يتلقى. والموحي هنا قوة مسيطرة مهيمنة على مدركات النبي وأحواله النفسية، والنبي شخصية متلقية ليس عليها سوى تبليغ ما ألقي إليها.
4 -ما لوحظ على ظاهرة الوحي من أحوال ظاهرية جسدية مصاحبة تظهر على الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم عبر عنها المفسرون والمؤرخون بالشدة التي يعانيها صلّى اللَّه عليه وسلّم من التنزيل، من تلك الأحوال ما روته السيدة عائشة رضي اللَّه عنها قالت: (لقد رأيته صلّى اللَّه عليه وسلّم ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه يتفصد عرقا) «1» ، ومنها ما
رواه ابن عباس قال: (كان صلّى اللَّه عليه وسلّم إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه وتربّد له جلده) «2» ، ومنها أيضا ما رواه هشام بن عروة عن أبيه (أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرّى عنه) «3» .
وما تصفه هذه الروايات من أحوال مصاحبة لعملية الوحي يرى فيه بعض المفسرين توضيحا وشرحا لما ورد في قوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزّمّل: 5] ، حيث أرجعوا هذا الثقل إلى ما يلاقيه النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم من عناء جرّاء تلقيه الوحي من الملك.
وذهب مفسرون آخرون إلى آراء أخرى عديدة في تفسير هذا الثقل تضمنتها كتب التفسير «4» لا مجال للخوض فيها في هذا البحث.
والحقيقة أن هذه المظاهر الخارجية هي العلائم الوحيدة التي تقع ضمن حدود
(1) صحيح البخاري (1/ 6) .
(2) الكشاف (4/ 175) .
(3) جامع البيان (29/ 80) .
(4) انظر في ذلك مثلا: جامع البيان (29/ 80) ، والكشاف (4/ 173) ، ومجمع البيان (10/ 377) وغيرها.