ب - وإما أن يتصف ملك الوحي بوصف النبي البشري، فتتغلب عليه الأوصاف البشرية ومجمل القول في هذه الآثار أن حالة الشدة في التلقي لا تتعدى في تأثيرها أحوال النبي الجسدية، فنحن نجده وهو يتلقى الوحي (يتمتع بحالة عادية وبحرّية عقلية ملحوظة من الوجهة النفسية بحيث يستخدم ذاكرته استخداما كاملا خلال الظاهرة نفسها ... وهذا التلازم بين الحالة العضوية(الشدة في التلقي) والوحي الذي هو ظاهرة نفسية يمثل الطابع الخارجي المميز للوحي) «1» .
فرغم ما في تلقي الوحي من شدة نجد النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم يتمتع بتحفّز نفسي وصفاء إدراكي متجرد عن كل ما يخدش مرآة نفسه الصقيلة المستعدة لتلقي الوحي، ونجده في النهاية وبعد أن تمر به الظاهرة صفحة بيضاء طبعت فيها نصوص الوحي على أجلى صورة
يقول صلّى اللَّه عليه وسلّم بعد حالة مواجهته الملك أثناء نومه في حراء « .. فهببت من نومي فكأنها كتبت في قلبي كتابا «2» .
ويقول صلّى اللَّه عليه وسلّم عن حالة مجيء الوحي على شكل أصوات مبهمة كأصوات الجرس
وهذه من أشد حالات الوحي، لأنها تتطلب تجردا وصفاء خاصا، وفيها من شدة الحاجة إلى أن يعيها ويحفظ ما تأتي به رغم أنها نوع من اللغة الخاصة التي تتكثف فيها المعاني والألفاظ بصورة خارقة، مع كل ذلك نجده بعد تمام الظاهرة
يقول: « ..
فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال» «3» .
وختاما لهذه المسألة وبملاحظتنا ما روي من روايات تصور عملية بدء الوحي وتكرر حالاته طوال مدة نزوله لا نجد على الإطلاق أية إشارة إلى أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وجد أثناء تلقيه للوحي حالة ضعف جسدي أو هبوط في مدركاته النفسية التي يتسلح بها في تلقيه للوحي تصل إلى الدرجة التي حاول بعض الباحثين وخصوصا من المستشرقين تصويرها.
5 -إن ملك الوحي بقي ملازما للرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم متابعا لما أوحاه إليه يستعيده معه ويتدارسه، وكانت عملية مراجعة النص الموحى تتم مرة كل سنة في شهر رمضان، حيث يأتيه مرة كل ليلة كما تشير الرواية الواردة عن ابن عباس إذ يقول: (كان رسول
(1) الظاهرة القرآنية (ص 180) (بتصرف) .
(2) سيرة ابن هشام (1/ 252) .
(3) صحيح البخاري (1/ 6) .