اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم .. أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن) «1» .
وهذه المدارسة للوحي ومتابعة نزوله وحفظه إنما تتم ضمن إطار تعهده تعالى بحفظ هذا الوحي (القرآن) وإعانة الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم بتثبيته في قلبه وإعانته في جمعه بعد أن كان الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم يحاول أن يتابع هذه الحالة بأقصى اهتمام ممكن ظهر جليا حتى في أثناء تلقيه للوحي بترديده نصوص الوحي النازل مع الملك، وهو ما نزلت الآية مصداقا له وتعهدا بحفظه آمرة للنبي أن يتفرغ كلية لعملية التلقي ويترك ما سوى ذلك لتسديده وعونه تعالى لكي لا تتشتت جهوده إلى غير عملية التلقي قال تعالى:
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَاناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: 16 - 18] .
وتأكد هذا الحفظ الإلهي لنصوص الوحي المعجزة بتعهده بحفظه إلى يوم يبعثون قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: 9] .
6 -إن جميع ما يتصل بظاهرة الوحي من حيث أهم عناصره اللغوية كالخفاء والسرعة والإشارة والرمز وغيرها. وحتى في أعمق ما يتصل به وبتفاصيله من نزول على القلب بمعناه الرمزي ولغة خاصة عبّر عنها الرسول بما يشير إلى أنها أصوات مبهمة شبهها بصلصلة الجرس كان هو شخصيا يعي ما يراد منها وعيا كاملا. كل هذه الأمور تدل دلالة واضحة على أن هذا الوحي إنما كان كلاما سماويا غير مادي وليس للحواس الظاهرية والعقل أن تصل إليه، وإن إدراك الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم له تمثل في قوى ربانية خاصة تتصل بالعصمة أمّنت له الاصطفاء من بين الناس وإدراك تلك الأوامر الإلهية والدستور الغيبي التي تلقى من خلالها شريعته التي كلّف بتبليغها.
فالرسول كان يتلقى الوحي من الملك ويدرك وجوده ويسمعه ويراه ولكن ذلك كله لم يكن بالأدوات الحسية الظاهرية كما هو الحال مع كل بشر يمتلك الأدوات نفسها وإنما كانت نفسه القدسية الشريفة تتلقى ذلك الوحي. ولو كانت حواسه المادية هي المتلقية لكان كل ذلك (مشترك بينه وبين غيره ولكان سائر الناس ممن معه يرون ما يراه ويسمعون ما يسمعه) «2» وقد سبق أن نتج لدينا أن مثل هذا لم يكن ولم يرد ما يثبته مطلقا.
(1) صحيح البخاري (1/ 8) .
(2) الميزان (15/ 318) .