فهذا التفاوت بين إدراك النبي وغيره ممن يحضره عائد في الحقيقة إلى الاختلاف في القوة المدركة نفسها وليس للأدوات الحسية التي تهيّئ لانعكاس المدرك في النفس، فالنفس الإنسانية واحدة في الأصل والجوهر لكنها تختلف شفافية كما تختلف تخويلا (و اصطفاء) من قبل اللَّه تعالى «1» .
الصورة الثالثة: الوحي الإلهامي:
هذه الصورة من الوحي هي ما عبرت عنها الآية في سورة الشورى بقوله تعالى:
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا .. [الشورى: 51] .
وقد سبق بيان أنها من أعم وأكثر صور الوحي الوارد إلى الأنبياء عليهم السلام، ويكون الوحي فيها كما يرى الجبائي تنبيه خاطر وما أشبه ذلك على سبيل الوحي، بمعنى ما جرى مجرى الإيماء والتنبيه على شيء، فليس بكلام وإنما هو على سبيل الإفصاح وليس إفصاحا «2» .
ويكاد المفسرون يجمعون أن الوحي بهذا المعنى وحي إلهامي إذ فسروه بأنه ما يكون بالإلهام والقذف في القلب كما يعبر الزمخشري عنه «3» . وتحديده هنا بالقذف في القلب يستفيد معنى الخفاء في إلقائه - كسائر الوحي - مع خصيصة مميزة يختلف بها عن التكليم من وراء حجاب ووحي الملك. فالوحي هنا عبارة عن:
تكليم خفي من دون أن تتوسط واسطة بينه تعالى وبين النبي أصلا «4» .
ويتأتى اليقين بمصدر الوحي في هذه الصورة بأنه تعالى يخلق معه [أي الوحي] علم ضروري عند النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بأن هذا المعنى قد قذفه اللَّه تعالى قطعا «5» .
وهذه الصورة شبيهة بما يقذفها الملك في روع النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم في ضوء وحيه إليه، إلا أنهما تختلفان في المصدر الموحي، ففي الأولى يوحي تعالى إلى النبي مباشرة وفي الثانية يقوم الملك - الذي عبر عنه صلّى اللَّه عليه وسلّم بالروح القدس - في النفث في روع النبي، فكان محل الاختلاف هو الواسطة وانتفاؤها.
(1) الصغير: تاريخ القرآن (ص 19) .
(2) انظر أمالي المرتضى (2/ 205) .
(3) الكشاف (3/ 475) .
(4) الميزان (18/ 73) .
(5) نبوة محمد في القرآن (177) .