ولا شك أن إجابتهم وامتثالهم للوحي الذي وصل إليهم مباشرة أو عن طريق النبي تدل على هذا اليقين الذي يعبر فيما يعبر عن خصوصية في الوحي تجعله خارج أحوال النفس، فكأنه يشير إلى أن الوحي للحواريين هنا يأتي من خارج أنفسهم، فهو وحي من اللَّه تعالى ويستبعد أن يكون ألقي إليهم بواسطة الرسل.
ورغم أن جمعا من المفسرين حاول أن ينزع عن الوحي إلى الحواريين صفة الوحي بمعناه الاصطلاحي، فإنه ليس هناك ما يدل على كون صرف هذه الصفة عنهم مقبولا، إذ لا يمنع أن يكون هذا الوحي الصادر إليهم مما ينعم به تعالى على نبيه فيسدد له خطاه ويثبّت الإيمان به وبشريعته في قلوب من حوله من أنصار.
فإذا كان واجب النبي البلاغ المبين فليس منه ولا عليه أن يهدي الناس إنما الهداية منه تعالى ولا يمنع مانع أن يوحي تعالى بطريقة ما من طرق الوحي - لعل الإلهام أقربها وأقواها - إلى من ينصر دينه ويعاضد رسله فيثبّتهم على الإيمان، وهذا الأمر يكاد يؤكد عموم آية الشورى المبينة لطرق تكليمه تعالى، إذ لم يخصص هذا التكليم بالأنبياء وحدهم من دون البشر.
وهذه المعاني يكاد يستشفها الإمام محمد عبده في إثباته جواز اطّلاع غير الأنبياء على عالم الغيب فيقول: (أما أرباب النفوس العالية والعقول السامية من العرفاء ممن لم تدن مراتبهم من مراتب الأنبياء، ولكنهم رضوا أن يكونوا لهم أولياء وعلى شرعهم ودعوتهم أمناء، فكثير منهم نال حظه من الأنس بما يقارب تلك الحال في النوع والجنس لهم مشارفة في بعض أحوالهم على شيء من عالم الغيب ولهم مشاهد صحيحة في عالم المثال لا تنكر عليهم لتحقق حقائقها في الواقع .. ) «1» .
2 -الوحي إلى النساء:
ليس في القرآن الكريم ما يدل في ظاهره على الوحي إلى النساء بصيغة الوحي الصريحة إلا حالة واحدة هي الوحي إلى أم موسى عليه السلام، إذ ذكر في القرآن الكريم في مواضع عدة منه. إلا أن من المفسرين من يذهب إلى أن نزول الملائكة على مريم عليها السلام وما خصت به من مواجهتهم ما يقترب من أن يكون وحيا كاملا ألقي عليها إن لم يكن أعلى مرتبة مما كان لأم موسى لتوافره على رؤيتهم وخطابهم مما لم يثبت يقينا لأم موسى عليه السلام.
(1) الأعمال الكاملة (3/ 418) .