أما الزمخشري: فإنه يرى أن (الوحي) في الآية تعبير مجازي، وأنه تعالى إنما يحدث تلك الأحداث (الزلزلة) التي يستدل منها الرائي لها بأن ما يراه هو بوحي منه تعالى «1» .
وذهب مفسرون آخرون منهم الطبرسي إلى أن الوحي للأرض معناه الإلهام، وذلك أنه تعالى ألهمها وعرفها «2» .
ويفسر إبراهيم الحربي (285 ه/ 898 م) فيما نقله القرطبي حقيقة هذا الإلهام بقوله: (إن للَّه عز وجل في الموات قدرة لم يدر ما هي، لم يأتها رسول من عند اللَّه ولكن اللَّه تعالى عرفها ذلك: أي ألهمها) «3» .
إلا أن الشريف الرضي يستبعد بشدة أن يكون ذلك الوحي للأرض على سبيل الإلهام لأنه إذا كان ذلك جائزا في الوحي للنحل لأنها حيوان متصرف ألهمه اللَّه تعالى ما أراد منها فإن الوحي إلى الأرض ليس بجار مجرى ذلك، فلا يصح القول فيها بأنه إلهام لأنها جماد خامد «4» .
المورد الثاني: الوحي إلى السماء:
قال تعالى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [فصلت: 12] . إضافة إلى ما قيل من آراء وتفسيرات في معنى الوحي إلى الأرض مما ينطبق في كثير من جوانبه على الوحي إلى السماء فإن الراغب الأصبهاني يجمل الأقوال في الوحي إلى السماء في قولين هما «5» :
الأول: إن المراد منه الوحي إلى أهل السماء خصوصا وهم الملائكة لأنهم أهل السماء، فكان هذا الرأي يحاول أن يربط ذلك بقوله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ .. [الأنفال: 12] .
الثاني: إن الوحي إلى السماوات على الخصوص فيكون فيه رأيان:
إنه تسخير عند من قال إن السماء غير حيّ (ليست حية) .
أو أنه نطق، عند من جعلها حية.
ويرتبط بمعنى الوحي في الآية ما ينطبق على تعبيره تعالى عن ذلك ب (القول)
(1) الكشاف (4/ 276) .
(2) مجمع البيان (10/ 526) .
(3) جامع أحكام القرآن (10/ 133) .
(4) تلخيص البيان (ص 282) .
(5) المفردات (ص 516) .