فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 276

وتصريفاته منسوبا إليه تعالى متوجها بالخطاب إلى السماء وكذلك إلى الأرض كما في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت: 11] .

فقد ذهب بعض المفسرين فيما نقله ابن دريد إلى أن القول هنا كان لأهل السماوات والأرض وليس لهما تخصيصا «1» . وقال آخرون: إن القول هنا تعبير مجازي، وأنه لا قول على الحقيقة وإنما المراد دلالة ما جعل فيها. فعن السدي أنه قال: جعل فيها ما أراده من ملك أو غيره «2» .

ويرى الشريف الرضي أن مثل هذا (القول) في هذه الآية وأمثالها إنما هو استعارة بلاغية، لأنه لا يصح في السماوات والأرض أن تؤمرا أو تخاطبا، لأن ذلك لا يكون إلا لمن يعقل فكان المراد من هذه الآيات (الإخبار عن عظيم قدرة اللَّه تعالى وسرعة مضي أمره، ونفاذ تعبيره، ووقوع أوامره سبحانه من غير معاناة ولا كلفة ولا لغوب ولا مشقة) .

ويتطابق رأي كل من الشيخ الطوسي «3» والزمخشري «4» مع ما ذهب إليه الشريف الرضي في ذلك.

الوحي في مظاهر أخرى:

من نظائر الحالات التي عبر عنها بالوحي والقول إلى السماء والأرض ترد حالات تقترب منها في بعض عناصرها مما يكون من أحوال مخصوصة في ظواهر كونية ومعجزات وخوارق ودلالات في مظاهر الطبيعة، ومن ذلك ما يرد في مثل قوله تعالى:

فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء: 63] . فالآية في مقام بيان إحدى ظواهر معجزات موسى عليه السلام حين خروجه ببني إسرائيل من مصر، ويستفيد بعض المفسرين هنا - في إشارة إلى الصلة بين الوحي والمعجزة - أن هذا الانفلاق للبحر كان بوحي إلهي فعن محمد بن إسحاق وآخرين: أوحى اللَّه تعالى - فيما ذكر - إلى البحر: إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق «5» .

(1) انظر جمهرة اللغة (9/ 112) .

(2) انظر الطوسي: التبيان (9/ 112) .

(3) التبيان (9/ 110) .

(4) الكشاف (3/ 445) .

(5) انظر الطبري: جامع البيان (19/ 50) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت