فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 276

فالوحي ما يسرع أثره من كلام الحق تعالى في نفس السامع .. لأنها عين الوحي الإلهي في العالم .. وقد يكون إسراع الروح الإلهي الأمري بالإيمان بما يقع به الإخبار والمفطور عليه كل شيء مما لا كسب له فيه من الوحي ..

فكل ما لم يكن مكتسبا من علم يتفجر في النفس بالروح الإلهي الذي يعرف بدلالة النفس هو وحي.

وأما ما كان من تدبير أو تفصيل أو تفكير فليس بوحي.

وانطلق مفسرون آخرون في فهمهم للوحي من أصل الخفاء والإسرار، فالوحي عندهم: (سر من غير واسطة) «1» . وفي ذلك إشارة إلى الإلقاء في خفاء الذي يمثل مسارّة بين الموحي والموحى إليه دون اطّلاع غيرهما ودون توسط بينهما. من هنا فرقوا بين هذا المعنى وبين الإنزال، فهم يفهمون من قوله تعالى: .. بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: 67] ، أن الوحي كان خالصا له مستورا، وكان مخفيا عن غيره إلا أنه تضمن الواسطة في الإنزال إليه (لأن الرسالة والإنزال ظاهران بواسطة) «1» .

وفي الجواب على سؤال الحكيم الترمذي: ما الوحي؟ يذهب ابن عربي إلى أن أصل الوحي إجمالا هو أنه: مواقع الإشارات الإلهية في القلب «3» .

فأساس هذا التحديد أنه إنما يسمى وحيا من جهة قربه من القلب، لذلك فإن ابن عربي يقرر من هذا مفهوما عاما بأن كل ما يسمى وحيا مما لا يقع ضمن هذا الصنف فبسبب هذا الجوار ويكون (من باب تسمية الشيء باسم ذلك الشيء إذا كان مجاورا له) «3» .

وتتبلور حقيقة الوحي عنده في نظره إليه على أنه انبعاث من ذات النفس الإنسانية وكشف لأعماقها، ويبرز مصدر الوحي هنا من أن هذا الوحي (فيض من الروح الكلي الساري في جميع النفوس الجزئية المتحد بها على الدوام) «5» .

فلا وحي من خارج عند ابن عربي إن هو إلّا انعكاس داخلي من النفس النبوية

(1) انظر السلمي: حقائق التفسير ورقة (66) .

(3) ابن عربي: الجواب المستقيم عما سأل عنه الترمذي الحكيم (مخطوط) نقلا عن ملحق ختم الأولياء للترمذي (ص 220) ، (الهامش) .

(5) ابن عربي: فصوص الحكم (2/ 94) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت