او غيرها، ولا يخرج عن هذا الإطار عنده حتى أعظم الأدلة على كون الوحي خارجيا مستقلا عن نفس الموحى إليه وهو ما يمثله نزول الملك بالوحي، فهو يفسر ظهور جبريل ونزوله بالوحي على النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بأن لا حقيقة له في الخارج وإنما ذلك من صنع خياله صلّى اللَّه عليه وسلّم، وإن ظهوره معتمد على قوة هذا الخيال، لذلك نسب ابن عربي لنفسه ما يقرب من هذه الحال في ظهور جبريل بحدود هذا الفهم الرمزي إذ يقول: (لقد بلغ بي من قوة الخيال أن كان حبي يجسّد لي محبوبي من خارج لعيني كما كان يتجسّد جبريل لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فلا أقدر أنظر إليه ويخاطبني وأصغي إليه وأفهم عنه) «1» .
وهذا الفهم الخاص للوحي ونفي أية عناصر خارجية عن النفس فيه مما يتفق عليه أغلب الصوفية وخصوصا القائلين مع ابن عربي ب (وحدة الوجود) ومنهم الإشراقيون، فعندهم أن الوحي أو الرؤيا للنفس ليس شيئا يهبط عليها من خارج بل من ذاتها أي من باطن النفس ما دام قد تقرر بحسب مذهبهم هذا (أن الوجود واحد وأن اللَّه هو الوجود كله، وأن النفس هي التي أصبحت شاعرة بذاتها) «2» .
ثالثا - كيفية الوحي وشروطه:
للنفس النبوية عند الصوفية كما هو عند غيرهم من اتجاهات الفكر الإسلامي خصوصية تميزها عن النفوس البشرية العادية، لذلك فإن للوحي النبوي خصوصيته أيضا مثلما أن له عناصره المختلفة عن غيره من الوحي - بمعناه العام -.
فالواسطي «3» يرى أن الاتصال بعالم الغيب مشروط بتخلص المتلقي (المتصل) من صفة البشرية، ففي تفسيره لآية الشورى قوله تعالى: وما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ .. [الشورى: 51] الآية. يفهم أن المراد: ما كان لبشر وهو قائم بصفته
(1) الفتوحات المكية (2/ 429) ، المطبعة الميمنية، القاهرة (1329 ه) .
(2) انظر د. محمد علي أبو ريان: أصول الفلسفة الإشراقية عند شهاب الدين السهروردي (305) ، مكتبة الأنجلو المصرية - القاهرة ط 1 (1959 م) .
(3) الواسطي، أبو بكر محمد بن موسى من قدماء أصحاب الحضور وهو من علماء مشايخ الصوفية. لم يتكلم أحد في أصول التصوف مثل ما تكلم هو. كان عالما بالأصول وعلوم الظاهر. انظر: أبو عبد الرحمن السلمي: طبقات الصوفية (ص 302) تحقيق نور الدين شريبة جماعة الأزهر للنشر والتأليف ط 1 (1372 ه/ 1953 م) .