فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 276

البشرية حتى ينتزع عنه أوصاف البشرية، ويحليه بحلية الاختصاص، حينئذ يكلّم شفاها) «1» .

أما الحكيم الترمذي فالإتيان بالنبوة عنده متعلق بين الروح والوحي، فالنبوة التي هي كلام اللَّه حين ينفصل منه تعالى (يكون معه روح من اللَّه، فيقضى بالوحي ويختم بالروح فبه قبوله) «2» .

ويرى الإمام الغزالي في اكتمال النفس طريقا في تلقيها الغيب (الوحي) فالنفس إذا اكتملت ذاتها زال عنها دنس الطبيعة ودرن الحرص والآمال الفانية وأقبلت بوجهها إلى بارئها تعالى، فإذا كان لها ذلك التجرد (فإنه تعالى بحسن عنايته يقبل على تلك النفس إقبالا كليا وينظر إليها نظرا إلهيا، ويتخذ منها لوحا ومن النفس الكلي قلما وينقش فيها جميع علومه، ويصير العقل الكلي، كالمعلّم والنفس القدسية كالمتعلّم ... وينتقش فيها جميع الصور من غير تعلم وتفكر) «3» .

ومصداق هذا التجرد من العبد والإقبال من الباري تعالى ما في قوله تعالى:

وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ .. [النساء: 113] وهي الدرجة التي يصل إليها المتجرد، فهذا العلم هو أشرف مراتب العلم، لأن الواسطة انعدمت فيه، فهو أقوى وأكمل من العلم المكتسب بالنظر والاستدلال لأنه يأتي دون تعلم أو اجتهاد.

ويقسّم الغزالي هذا العلم المخصوص بهذه الكيفية بحسب مرتبته ومتلقيه على قسمين «4» : فمنه ما لا يدري العبد كيف حصل له، ومن أين حصل وهذا يسمى إلهاما وقذفا في الروع، وهو لا يختص بالأنبياء وحدهم وإنما يشترك معهم غيرهم وهم هنا الأولياء والأصفياء.

ومنه ما يطّلع العبد (المتلقي) معه على السبب الذي منه استفاد ذلك العلم، ويتمثل السبب هنا في رؤية المتلقي للملك الذي يلقي بهذا العلم في القلب، وهذا العلم هو المسمى بالوحي وهو يختص بالأنبياء وحدهم.

(1) انظر السلمي: الحقائق ورقة (2 29 ب/ 3 29 أ) .

(2) ختم الأولياء (ص 346) .

(3) رسائل الغزالي: (م 3/ 104) .

(4) إحياء علوم الدين مجلد 3 (8/ 32) طبعة مصورة عن طبعة لجنة نشر الثقافة الإسلامية (1356 ط 1، 1395 ه/ 1975 م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت