ويقرر السهروردي، شهاب الدين يحيى بن حبش (ت 587 ه/ 1191 م) أن للأنبياء (المتلقين للغيب) في نفوسهم قوة أصلية أو فطرية تمكّنهم من الاتصال بالعالم العلوي مع اشتغالهم بالبدن، ذلك أنهم يستطيعون اكتشاف العلم الغيبي في حالة اليقظة) «1» .
فقوة النفس هذه هي الطريق الممكّن للنبي الاتصال بالعقل الفعال، لأن النفس (إذا كانت شريفة وقويت قوتها تؤثر في هذا العالم تأثيرا عظيما، لأنها تتصل بروح القدس وتأخذ منه العلوم فتكتسب قوة نورانية ... ) «2» .
وإذا جئنا إلى ابن عربي يبرز أمامنا ما سبق بيانه من نظريته المتميزة في الوحي بقوله: إن الوحي لا حقيقة له في الخارج وإنما هو حالة داخلية، وهو يعبر عن هذا المعنى شعرا بقوله «3» :
ولا يلقى إليك الوحي في غير ولا تلقي «4» وحين يفسر نظريته هذا المعبر عنها شعرا نجده ينظر لهذا المفهوم ويعممه على كل حالة من التلقي لمعرفة تتصل بالوحي في أي شكل من أشكاله ومهما توافرت فيها من عناصر الوحي، فهو يقول: (فأيّ صاحب كشف شاهد صورة تلقي إليه ما لم يكن عنده من المعارف، وتمنحه ما لم يكن قبل ذلك في يده، فتلك الصورة عينه لا غيره، فمن شجرة نفسه جنى ثمرة علمه كالصورة الظاهرة منه في مقابلة الجسم الصقيل ليس غيره .. ) «4» .
وما قول ابن عربي بأن جبريل هو من تصوير خيال النبي وإنكاره نزوله الخارجي إلا محاولة منه - ومن على مذهب وحدة الوجود معه - لتجاوز ظاهر الآيات والأخبار التي تمثل عقيدة راسخة في الإسلام باستقلالية ظاهرة الوحي وانفصالها عن ذات النبي وكونها أمرا خارجيا ليس له فيه أيّ دور سوى التلقي والتبليغ.
أما الطريق الذي تصل به النفس إلى الاطلاع على الغيب عنده فيتمثل في أن
(1) أبو ريان، أصول الفلسفة الإشراقية عند السهروردي (ص 305) .
(2) السهروردي: رسالة في اعتقاد الحكماء ضمن: (مجموعة مصنفات شيخ أشراف شهاب الدين يحيى السهروردي) (ص 270 - 271) تصحيح وتقديم هنري كريبين ط 1 طهران (1953 م) .
(3) انظر فصوص الحكم (2/ 94) .
(4) المصدر السابق (1/ 66) .