معه في عناصره الأساسية وأهمها اليقين بأنها ألطاف وأنوار إلهية خالصة صادرة عنه تعالى، لذلك سنتناول في هذا البحث أشكالا رئيسة متفاوتة الرتبة وهي: العلم اللدني، والكشف والمبشرات والخواطر.
1 -العلم اللدني:
يعبّر الصوفية عن علومهم أحيانا بالعلوم اللدنية التي يسعون إلى نيلها وكل ما يقول به الصوفية من المعارف إنما هي معارف يتلقاها المريد في رحلته على الطريق ويسميها معارف لدنية، فالعلم الباطني والعلوم الذوقية والكشفية والقلبية .. إلخ، هي علوم لدنية يسبغها اللَّه تعالى ويقذفها في قلب السالك والولي.
والأساس الذي يرجعون إليه في خصوصية هذا العلم هو قوله تعالى: فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف: 65] .
والصوفية كما هي غالب اتجاهات غيرهم في التفسير يرون أن العبد المقصود في الآية هو الخضر - عليه السلام -، وعن العلم المقصود بأنه علّم إياه يقول ابن عباس: إنه من علم الغيب «1» .
وأكد الزمخشري هذا المعنى مستفيدا من نسبته إليه تعالى بقوله عز وجل (من لدنّا) أنه مما يختص به تعالى من العلم وهو الإخبار عن الغيوب) «2» .
ويبدو أن الصوفية يرون صلة علومهم بهذا العلم اللدني متمثلة في الفرق بين العلمين المستفادين من الآية وسابقاتها، وهما علم موسى - عليه السلام - وعلم الخضر، فابن عربي مثلا ينظر إلى كل من الشخصيتين على أنهما رمز لصاحبي نوعين من العلم «3» : العلم الظاهر الذي يأتي به الأنبياء - عليهم السلام - إلى أممهم وهو علم الشرائع المتلقى من الوحي، والعلم الباطن الذي يعلمه الأولياء وهو علم الحقيقة.
فالعلم الباطن علم الأولياء يتصل اتصالا وثيقا بالعلم اللدني الذي كان للخضر - عليه السلام - إذ يرى الصوفية أن علومهم لدنية ربانية لا واسطة فيها بين العبد وربه ويجعلون لها رتبة مخصوصة في مراتب العلم هي فوق مرتبة العلم الظاهر.
(1) انظر الطبرسي: مجمع البيان (6/ 483) .
(2) الكشاف (2/ 491) .
(3) انظر فصوص الحكم (2/ 305) التعليقات.