فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 276

وأما ما كان بواسطة فليس بعلم لدني، لأن العلم اللدني هو ما ينفتح في سر القلب من غير سبب مألوف من خارج «1» .

فهو يحصل بسريان نور الإلهام وهو: تنبيه النفس الكلية للنفس الجزئية الإنسانية على قدر إصغائها وقبولها وقوة استعدادها الاستعداد الخاص الذي يستفيده الغزالي من خلال الآية الكريمة: ونَفْسٍ وما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها [الشمس: 7] فإن هذا الرجوع (التسوية) لا يكون إلا بثلاثة أوجه «2» :

أحدها: تحصيل العلوم وأخذ الحظ الأوفر من أكثرها.

الثاني: الرياضة الصادقة والمراقبة الصحيحة التي يراها طريقا موصلا بدليل إشارة الرسول صلّى اللَّه عليه وسلم إلى ذلك

بقوله صلّى اللَّه عليه وسلم: «من عمل بما علم أورثه اللَّه علم ما لم يعلم» .

الثالث: التفكر، فإن النفس إذا تعلمت وارتاضت بالعلم ثم تتفكر في معلوماتها بشروط التفكر ينفتح عليها أبواب الربح.

فالمتفكر إذا سلك طريق الصواب يصير من ذوي الألباب وتنفتح روزنة من عالم الغيب في قلبه عالما كاملا عاقلا ملهما مؤيدا.

وما يحصل من هذا العلم في النفس إنما هو الحكمة الحقيقية التي لا يبلغها العبد ما لم يبلغ تلك المرتبة من العلوم، وهو يسوق استدلالا على هذه المفاهيم والحدود التي يضعها للعلم اللدني أدلة واستشهادات يجدها ممثلة لتصور كامل عن العلم اللدني، من ذلك ما روي عن الإمام علي بن أبي طالب - عليه السلام - الذي نجده عند الغزالي أقوى مثال يتحدث عنه في بيان العلم اللدني وعناصره وأبعاده ومن تلك الاستشهادات «3» :

قوله - عليه السلام (أدخلت لساني في فمي فانفتح في قلبي ألف باب من العلم مع كل باب ألف باب)

وقوله - عليه السلام (لو ثنيت لي الوسادة .. لحكمت لأهل التوراة بتوراتهم ولأهل الإنجيل بإنجيلهم ولأهل القرآن بقرآنهم) .

وقوله - عليه السلام - (إن كتاب موسى وشرحه أربعون حملا فلو يأذن اللَّه في شرح معاني الفاتح لأشرع [لأشرعنّ] فيها حتى تبلغ مثل ذلك) .

(1) إحياء علوم الدين مجلد 3 (8/ 43) .

(2) انظر الرسالة اللدنية مجموعة 3 (ص 110 - 111) .

(3) الرسالة اللدنية مجموعة 3 (ص 106) وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت