وقد قسم الباقلاني المسموع من الكلام على قسمين «1» :
فمن سمعه منه تعالى بغير واسطة ولا ترجمان كجبريل وموسى ومحمد عليهم السلام فقد سمعه من ذاته غير متلو ولا مقروء، ومن غيرهم ممن يتولى اللَّه تعالى خطابه بنفسه فإنما يسمع كلامه متلوّا ومقروءا، أما كلامه تعالى المسموع لنا فهو مسموع على الحقيقة لكن بواسطة وهو القارئ «2» .
ويستدل الباقلاني على ذلك بقوله تعالى: وإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ .. [التوبة: 6] .
وقال: إن هذا الكلام مسموع بالآذان وإن كان مخالفا لسائر اللغات وجميع الأصوات، وإنه ليس من جنس المسموعات، وهذا ما جعله يصور نزول جبريل عليه السلام على قلب النبي صلّى اللَّه عليه وسلم بالوحي أنه ليس نزولا ماديا بمعنى أنه نزول إعلام وإفهام لا نزول حركة وانتقال «3» .
فخلاصة ما يراه الأشعرية أن كلامه تعالى بما أنه صفة لذاته فهو تعالى لا يزال موصوفا به، فلا يوجد بغيره رغم أنه يحفظ ويتلى ويكتب في المصاحف حقيقة لا مجازا.
ويذهب أهل السنة إلى القول بمثل ذلك، إذ يرون أن هذا القرآن المتلو في المحاريب والمكتوب في المصاحف غير مخلوق بل قديم معه تعالى «4» وأن هذا النص النازل بالوحي هو ذلك الكلام القديم الأزلي حقيقة لا مجازا.
ويستفيد الإمام أحمد بن حنبل من قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: 4] أن القرآن الكريم هو الموحى وهو كلامه حقيقة (فقوله تعالى: إِنْ هُوَ يعني القرآن وقوله تعالى: إِلَّا وَحْيٌ يُوحى أبطل أن يكون القرآن شيئا غير الوحي .. فسمى القرآن وحيا ولم يسمّه خلقا) «5» .
(1) المصدر السابق (ص 27) .
(2) الباقلاني: الإنصاف (ص 94) .
(3) المصدر السابق (ص 96) .
(4) انظر القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة (ص 527) .
(5) انظر النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام (1/ 263) وما بعدها.