وقد أكد ابن حزم أن قولنا: كلام اللَّه، وقولنا: القرآن: واحد، وإن ما ينزل به جبريل هو كلام اللَّه تعالى على الحقيقة نزل به جبريل على قلب النبي صلّى اللَّه عليه وسلم «1» .
ويفصّل الفخر الرازي موقف أهل السنة من نسبة كلامه تعالى إلى غيره وهو كلامه على الحقيقة باتفاق جميعهم أن ذلك على سبيل الإضافة، فهو «2» : كلام اللَّه تعالى بمعنى أنه تعالى هو الذي أظهره في اللوح المحفوظ وهو الذي رتبه ونظمه وهو كلام جبريل عليه السلام بمعنى: أنه هو الذي أنزله من السماوات إلى الأرض، وهو كلام محمد صلّى اللَّه عليه وسلم بمعنى: أنه هو الذي أظهره إلى الخلق ودعا الناس إلى الإيمان به وجعله محجة لنبوته.
وفسر ابن تيمية، تقي الدين أحمد (ت 728 ه/ 1328 م) كون كلامه تعالى مضافا إلى غيره أنه تعالى خص به الرسل لتعذر سماع العامة له، يقول ابن تيمية: إن اللَّه تعالى دل عباده بالدلالات العيانية المشهودة والدلالات المسموعة وهي كلامه، لكن عامتهم تعذر أن يسمعوا منه كلامه، فأرسل إليهم بكلامه رسلا وأنزل إليهم كتبا كما يفعل الناس، يرسلون إلى من بعد عنهم رسولا ويكتبون إليه كتبا) «3» .
وأكد الإمامية أن القرآن الكريم هو الوحي، وهو كلامه تعالى على الحقيقة، وقد أجمل الشيخ المفيد ذلك بقوله: (إن القرآن كلام اللَّه ووحيه، وإنه محدث كما وصفه اللَّه تعالى) «4» .
ويفرق الشيرازي، صدر الدين محمد (ت 1050 ه/ 1640 م) بين ما يسمعه النبي صلّى اللَّه عليه وسلم عن جبريل وما يسمعه الناس من النبي، إذ يقول: (إيّاك أن تظن أن تلقي النبي صلّى اللَّه عليه وسلم كلام اللَّه بواسطة جبريل عليه السلام واستماعه منه كاستماعك من النبي أو تقول إن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم كان مقلدا لجبريل .. ) «5» .
وقد شرح الشيخ محمد جواد مغنية ذلك بأن ما بلّغه جبريل إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلم هو
(1) الفصل في الملل (3/ 6) .
(2) مفاتيح الغيب (30/ 117) .
(3) النبوات (ص 203) .
(4) أوائل المقالات (ص 57) .
(5) انظر مغنية: تفسير الكاشف (6/ 534) .