جمادا كما هو الحال في الشجرة في حالة تكليم موسى عليه السلام، وذلك (حتى لا يكون «المحل» هو المتكلّم من دون اللَّه) «1» .
ولما يلقى في الوحي عند المعتزلة رأي يعبّر عنه الخياط ويتمثل في أنهم يرون أن ما يوحى إلى النبي هو الفكرة التي يعبّر عنها بواسطة الكلام، باختلاف اللغة التي يعبر بها، لذلك فإن كلام النبي صلّى اللَّه عليه وسلم بالقرآن باللغة العربية فعل طبيعي له لأنه عربي، وأن الموحى إليه كان الفكرة التي عبر عنها هو بلغته العربية «2» .
ومن هذه الفكرة بالذات انطلق بعض المعتزلة كأبي موسى المردار، عيسى بن صبيح البغدادي (ت 226 ه/ 840 م) والنظّام، إبراهيم بن سيار بن هانئ (ت 231 ه/ 845 م) في قولهم بأن وجه الإعجاز في القرآن الكريم ليس في نظمه وبلاغته، فالناس قادرون على مثل ذلك النظم والتأليف «3» وإن وجه الإعجاز والدلالة على النبوة فيه ما فيه من الإخبار بالغيوب.
وقالت الإمامية - في كيفية وحيه تعالى لكلامه: بأنه يخلقه في محل أيضا، فتكليمه تعالى من وراء حجاب يرى فيه السيد المرتضى أنه تعالى: (يفعل كلاما في جسم محتجب على المكلّم) «4» .
وأما كيفية الاطّلاع على الغيب فإن الشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (ت 413 ه/ 1022 م) يرى أن ذلك يكون بالاطّلاع على اللوح المحفوظ إذ أن هذا اللوح هو: (كتاب اللَّه تعالى كتب فيه ما يكون إلى يوم القيامة ... وأن القلم هو الذي أحدث اللَّه به الكتابة في اللوح، وجعل اللوح أصلا ليعرف الملائكة منه ما يكون من غيب ووحي) «5» .
فهو تعالى إذا أراد أن يطلع أحدا من الملائكة على الغيب، أو ليحمل الرسالة إلى الأنبياء فمصدرهم في ذلك كما وردت الروايات هو الاطّلاع على ذلك اللوح، وأما ما يوحيه تعالى إلى نبيه فلذلك طريقان «6» :
(1) المصدر السابق (7/ 269) .
(2) الانتصار (ص 144) .
(3) انظر الانتصار (ص 27 - 28) ، الشهرستاني: الملل والنحل (1/ 72، 88) .
(4) انظر الأمالي (2/ 205) .
(5) تصحيح الاعتقاد (شرح عقائد الصدوق) (ص 220) المطبوع مع (أوائل المقالات) .
(6) المصدر السابق (ص 252) .