النفوس والقذف فيها بما يستدعونها) «1» . وهذه الصلة الوثيقة للوحي الشيطاني بالنفس الإنسانية ومحاولاته إلقاء أحابيله إليها جعلت بعض المفسرين يقول بأن الشيطان الحقيقي هو النفس، فالفخر الرازي يرى أن ما يأتي به الشيطان هو الوسوسة والتزيين والدعوة، ولا سلطان له إلا في ذلك (فلولا الميل الحاصل بسبب الشهوة والغضب والوهم والخيال [و هي مدركات وقوى للنفس] لم يكن لوسوسته تأثير البتة، فدل هذا عنده على أن الشيطان الحقيقي هو النفس «2» .
3 -من خلال هذا الارتباط للوحي الشيطاني بالنفس نلتمس له التقاء مع الوحي عموما في توافر معنى الإلقاء الخفي، وهو ما نجد الإشارة واضحة إلى تأكيده من خلال ما يلي:
أ - وصف الشيطان وهو متلبس بوحيه: بالوسواس والخناس، قال تعالى: مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [الناس: 4 - 5] .
فالوسواس من الوسوسة وهي الصوت الخفي «3» .
والوسوسة: الكلام الخفي الذي يصل قلوبهم من غير سماع «4» .
والخناس: الكثير الاختفاء بعد الظهور «5» .
وقد قيل: الخناس الكثير الاختفاء .. وهو المستتر المخفي من أعين الناس، لأنه يوسوس من حيث لا يرى بالعين «6» . كما وصف ما يلقيه أيضا بالوحي في آيتين قال تعالى: ... شَياطِينَ الْإِنْسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ ...
[الأنعام: 112] ، وقال تعالى: .. وإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ .. [الأنعام: 121] .
(1) ابن حزم: أبي محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهري (ت 456 ه) الفصل في الملل والأهواء والنحل (5/ 13) ، دار الندوة الجديدة، المطبعة الأدبية - بيروت ط 1، (1317 ه) نسخة مصورة عنها.
(2) الفخر الرازي: مفاتيح الغيب (19/ 114) .
(3) الفراهيدي الخليل بن أحمد (ت 175 ه/ 791 م) العين (7/ 335) ، تحقيق د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي، دار الشئون الثقافية والنشر، دار الحرية للطباعة - بغداد (1984 م) .
(4) الطبرسي: مجمع البيان (10/ 571) .
(5) الطوسي: التبيان (10/ 437) .
(6) مجمع البيان (10/ 571) .