وقد تعرض الشيخ الألباني (محمد ناصر الدين) لهذه القصة وخصص لها رسالة «1» بحث فيها رواياتها المتعددة المختلفة ودرس رجالها وأسانيدها، وناقش كل رواية من تلك الروايات بأسلوب علمي دقيق، وبيّن ما يضعّف كل رواية منها منتهيا إلى نتيجة قطعية لا تقبل الشك وهي بطلان تلك الرواية وضعّف أسانيد الصيغ المختلفة التي رويت فيها.
فإضافة إلى من ذكر ممن رد تلك الروايات وضعّفها أورد الشيخ الألباني إبطال وإنكار جمع غفير آخر من العلماء لها ومنهم «2» أبو بكر بن العربي (ت 543 ه/ 1148 م) ، والقاضي عياض (ت 544 ه/ 1149 م) ، ومحمد بن يوسف الكرماني ومحمد بن علي الشوكاني (ت 1250 ه/ 1834 م) ، ومحمود الألوسي، والإمام محمد عبده وغيرهم «3» .
والخلاصة من كل ذلك، أن هذه القصة مردودة بكل ما تضمنته وأشارت إليه من وقائع، وما يرتبط بها من مظاهر التشكيك والدس والإساءة إلى الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم، بل إلى شريعته، وسواء قصد ذلك عمدا أم كان دون قصد فإن قبول القصة وتصديقها يعد هدما لمفاهيم وأسس عديدة يقوم عليها التشريع الإسلامي عموما.
وبالإضافة إلى ما مرّ من موارد إبطال القصة يستفيد الباحث موارد أخرى لردها وإبطالها، والاستناد في ذلك إلى أدلة عقلية ونقلية مرت الإشارة إلى بعضها ويمكن إجمال ذلك في الآتي:
1 -إن اللَّه تعالى بيّن أن الشياطين لا سبيل لهم إلى الوحي والتدخل فيه لأنهم معزولون مرجومون بالشهب، وإنما لم يكن لهم ذلك (حراسة للمعجزة [من] أن تتموه بالباطل، لأن اللَّه تعالى إذا أراد أن يدل بها على صدق الصادق أخلصها بمثل هذه الحراسة) «4» . قال تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن: 26 - 27] ، فالشياطين لا سبيل لهم إلى الوحي، وما استرقوه منه ممن خطف الخطفة منهم فإنهم
(1) مغنية: الكاشف (5/ 340) .
(2) انظر نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق، المكتب الإسلامي، دمشق (1372 ه/ 1952 م) .
(3) انظر نصب المجانيق: مجمل صفحات الرسالة وخصوصا (ص 1 - 18) .
(4) انظر الطوسي: التبيان (8/ 67) .