وَيَصْدُرُونَ عَنْ أَمْرِهِ ، وَيَرْجِعُونَ إِلَى رَأْيِهِ ، وَهُوَ أَمِينٌ عَلَى إِبْلاَغِ وَحْيِ رَبِّهِ وَرِسَالاَتِهِ ، وَقَدْ عَصَمَهُ اللهُ مِنَ الخِيَانَةِ فِيمَا يَأْمُرُهُ بِهِ رَبُّهُ ، وَمِنَ الزَّلَلِ وَالخَطَإِ . [1]
قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: وقوله: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } يعني: أن هذا القرآن لتبليغُ رسول كريم، أي: ملك شريف حَسَن الخلق، بهي المنظر، وهو جبريل، عليه الصلاة والسلام. قاله ابن عباس، والشعبي، وميمون بن مِهْران، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، وغيرهم.
{ ذِي قُوَّةٍ } كقوله { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ [فَاسْتَوَى] (5) } [النجم: 5، 6] ، أي: شديد الخَلْق، شديد البطش والفعل، { عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ } أي: له مكانة عند الله عز وجل ومنزلة رفيعة.
{ مُطَاعٍ ثَمَّ } أي: له وجاهة، وهو مسموع القول مطاع في الملأ الأعلى.
قال قتادة: { مُطَاعٍ ثَمَّ } أي: في السموات، يعني: ليس هو من أفناد الملائكة، بل هو من السادة والأشراف، مُعتَنى به، انتخب لهذه الرسالة العظيمة.
وقوله: { أَمِينٍ } صفة لجبريل بالأمانة، وهذا عظيم جدا أن الرب عز وجل يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل كما زكى عبده ورسوله البشري محمدا - صلى الله عليه وسلم - بقوله: { وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ } [2]
2-ميكائيل - عليه السلام
قرن النبي - صلى الله عليه وسلم - ميكائيل مع جبرائيل وإسرافيل في دعائه عند استفتاحه لصلاة الليل قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَىِّ شَىْءٍ كَانَ نَبِىُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَفْتَتِحُ صَلاَتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَتْ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاَتَهُ « اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِى لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ » [3] .
وقد ناصب اليهود العداء لجبريل عليه السلام وادعوا موالاة ميكائيل معللين عداوتهم لجبريل بأنه إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلاَمٍ مَقْدَمُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِينَةَ ، فَأَتَاهُ ، فَقَالَ إِنِّى سَائِلُكَ عَنْ ثَلاَثٍ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ نَبِىٌّ ، { قَالَ مَا } أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَمِنْ أَىِّ شَىْءٍ يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ وَمِنْ أَىِّ شَىْءٍ يَنْزِعُ إِلَى أَخْوَالِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « خَبَّرَنِى بِهِنَّ آنِفًا جِبْرِيلُ » . قَالَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ . وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ . وَأَمَّا الشَّبَهُ فِى الْوَلَدِ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 5696)
(2) - تفسير ابن كثير - (8 / 338)
(3) - صحيح مسلم- المكنز - (1847 )