المبحث الثاني
الفرق بين القضاء والقدر
هناك فروق بينهما ذكرها العلماء، وذكروا أنه قد يجتمعان وقد يفترقان، فالقضاءُ يطلق على أمور، {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ..} (12) سورة فصلت، قُضي الأمر: فُرغ منه، له معان عدة، ولكن قد يجتمعان ويراد بالقضاء القدر، وقد يفترقان، قد ذكر هذا الطحاوي وابن عامر في القضاء، يرجع إليه.
أمَّا ما روي عَنْ سَلْمَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ وَلاَ يَزِيدُ فِى الْعُمُرِ إِلاَّ الْبِرُّ » [1] . معناه: أن الله تعالى يقدر، الدعاء مقدر، فالله تعالى يجعل المقدور له سبب، وسببه الدعاء.وكما جاء في الحديث عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: لاَ يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ ، وَإِنَّ الْبَلاءَ لَيَنْزِلُ فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ فَيَعْتَلِجَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" [2] "
فالمعنى أن الله تعالى قد يستجيب لدعاء الشخص، ويجعل الله الدعاء سببا في حصول المقدور، ويكون هذا مقدر في الأزل، مثل صلة الرحم، ثم قدر أن يعافي الله هذا العبد من مرضه بدعائه، فاللهُ قدَّر الدعاء وقدَّر العافية، وجعل الدعاء سببا في العافية، فيكون القدرُ سببا، وهو من القدر الذي قدره الله. [3]
ومن الشواهد التي ذكرها أبو حاتم للتفريق بين القضاء والقدر أن القدر منزلة تقدير الخياط للثوب فهو قبل أن يفصِّله يقدِّره فيزيد وينقص فإذا فصَّله فقد قضاه وفرغ منه وفاته التقدير . وعلى هذا يكون القدر سابقا للقضاء . قال ابن الأثير:"والمراد بالقَدَر: التقْدير وبالقضاء: الخَلْق كقوله تعالى: [ فقضاهُنَّ سَبْعَ سَمَواتِ فِي يَوْميْنِ ] أي خَلَقَهُنَّ ."
فالقضاءُ والقَدَر أمران مُتَلازِمان لا يَنْفَك أحدُهما عن الآخَر لأن أحدَهُما بمَنْزلة الأساس وهو القَدَر والآخَرَ بمنزلة البِناء وهو القَضاءُ فمن رام الفصل بينهما فقد رام هَدْم البِناء ونَقْضَه" [4] "
والقضاء والقدر إذا اجتمعا في الذكر افترقا في المعنى فأصبح لكلٍّ منهما معنى يخصُّه ، وإذا افترقا في الذكر دخل أحدهُما في معنى الآخر . ذكر ذلك بعض أهل العلم . [5]
(1) - سنن الترمذى- المكنز - (2289 ) صحيح
(2) - المستدرك للحاكم (1813) حسن
(3) - شروح الطحاوية - (2 / 65)
(4) - النهاية في غريب الأثر - (4 / 125) ولسان العرب - (15 / 186)
(5) - أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة - (1 / 332) وانظر الدرر السنية كاملة - (3 / 170)