المبحث الثاني
الإيمان بأشراط الساعة
المطلب الأول
أهمية الإيمان بالغيبيات
علم الغيبيات من الأمور التي استأثر الله تعالى بها ، واختص بها نفسه جل وعلا ، دون من سواه من ملك مقرب أو نبي مرسل ، وهو يطلع من يرتضيه من رسله على بعض الغيب متى شاء وإذا شاء ، وبذلك جاءت الآيات والأحاديث ، قال سبحانه وتعالى: { وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ } (سورة هود ، الآية: 123 ) .
ومعلوم - من الدين بالضرورة - أن علم الغيب من خصائص الله وحده - كما سبق بيان ذلك - ولقد شاء الله تبارك وتعالى أن يجعل علم الساعة غيبا من جملة علم الغيب الذي استأثر بعلمه فلم يطلع عليه أحدا من خلقه لا نبيا مرسلا ، ولا ملكا مقربا ، وذلك ليبقى الناس من الساعة على حذر دائم ، وتوقع مستمر واستعداد كامل لاتخاذ الزاد المناسب لها ، فهي الموعدُ المرتقب للجزاء الكامل ، والإيمانُ بذلك من مقتضيات الإيمان باليوم الآخر . والرسل عليهم الصلاة والسلام مع أنهم أفضل الخلق وأحبهم إلى الله عز وجل ، وقد خصهم الله بمزايا كثيرة وأكرمهم بمعجزات عديدة لم يدَّعِ أحد منهم علم الغيب ، بل جميعهم كانوا يتبرؤون من ذلك ، ويردون علمَ الغيب إلى الله سبحانه وتعالى ، فنوح عليه السلام قال لقومه: { وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ } ( سورة هود ، الآية: 31 ) .
ورسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو سيد الرسل والأنبياء أجمعين ، ينفي عن نفسه معرفة العيب ، فقد قال الله في كتابه: { قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ } (سورة الأحقاف ، الآية: 9) ، وقال تعالى: { قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (سورة الأعراف ، الآية: 188 ) .
ولما كان اليوم الآخر من الأمور الغيبية ، أعان الله سبحانه وتعالى خلقه على الإيمان به بأمور كثيرة ، ومن ذلك ربط هذا الغيب بالأمور المحسوسة ، فإن الغيب إذا ربط بالأمور المحسوسة سهل الإيمان به على الإنسان ، ومن هذه الأمور المحسوسة التي تعين على الإيمان باليوم الآخر ، أشراط الساعة .
وأهمية معرفة هذه الأشراط والأمارات ، تظهر من أهمية الإيمان باليوم الآخر ، ولذلك فإن الإيمان بأشراط الساعة وعلاماتها الصحيحة الثابتة ، جزء لا يتجزأ من الإيمان باليوم الآخر ، والذي هو الآخر جزء لا يتجزأ من الإيمان بالغيب .