فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 559

المطلب الثاني

إفراد الله تعالى بالعبادة حتى لا يتخذَ إلهٌ غيره بأي وجهٍ من الوجوه المقتضية للعبادة

وهذه قضية جوهرية من قضايا التوحيد, بل هي الركن الأساسي الذي تقتضيه عقيدة التوحيد الإسلامية المتقررة في كلمة التوحيد ( لا إله إلا الله ) أي لا معبود بحق إلا الله. فهذه هي الكلمة الفاصلة بين عقيدة التوحيد في الإسلام وغيرها من العقائد الأخرى. فلما كان الله تعالى متفردا في ذاته وصفاته وأفعاله- وكانت النفوس مفطورة على اتخاذ إله تعبده وتعظمه- كان الله تعالى هو المعبود بحق, والمستحق الوحيد لهذه العبادة مهما تعددت الآلهة المتخذة.

بل إن المتقرر حتى لدى كثير من المشركين المتخذين لأكثر من إله أنهم يعتقدون بأن هناك إله اواحدا يسيطر على جميع الآلهة الأخرى، وأنه هو عظيمها و إمامها, وأن ما دونه وسيلة إليه.ومن النصوص في ذلك قوله تعالى: وقال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (25) سورة لقمان

وقال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (5) سورة الفاتحة

وهذه هي الكلية الاعتقادية التي تنشأ عن الكليات السابقة في السورة. فلا عبادة إلا للّه ، ولا استعانة إلا باللّه.

وهنا كذلك مفرق طريق .. مفرق طريق بين التحرر المطلق من كل عبودية ، وبين العبودية المطلقة للعبيد!

وهذه الكلية تعلن ميلاد التحرر البشري الكامل الشامل. التحرر من عبودية الأوهام. والتحرر من عبودية النظم ، والتحرر من عبودية الأوضاع. وإذا كان اللّه وحده هو الذي يعبد ، واللّه وحده هو الذي يستعان ، فقد تخلص الضمير البشري من استذلال النظم والأوضاع والأشخاص ، كما تخلص من استذلال الأساطير والأوهام والخرافات ..

وهنا يعرض موقف المسلم من القوى الإنسانية ، ومن القوى الطبيعية ..فأما القوى الإنسانية - بالقياس إلى المسلم - فهي نوعان: قوة مهتدية ، تؤمن باللّه ، وتتبع منهج اللّه ..

وهذه يجب أن يؤازرها ، ويتعاون معها على الخير والحق والصلاح .. وقوة ضالة لا تتصل باللّه ولا تتبع منهجه. وهذه يجب أن يحاربها ويكافحها ويغير عليها.

ولا يهولن المسلم أن تكون هذه القوة الضالة ضخمة أو عاتية. فهي بضلالها عن مصدرها الأول - قوة اللّه - تفقد قوتها الحقيقية. تفقد الغذاء الدائم الذي يحفظ لها طاقتها. وذلك كما ينفصل جرم ضخم من نجم ملتهب ، فما يلبث أن ينطفىء ويبرد ويفقد ناره ونوره ، مهما كانت كتلته من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت