فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 559

المطلب الثاني

الغيبُ المقيَّدُ النسبيُّ

هو ما كان غائبا عن البعضِ ، مثلَ الحوادثِ التاريخية. فإنها غيبٌ بالنسبة لمن لم يعلمها ، لذلك قال الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن ذكر قصة آل عمران: { ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } (44) سورة آل عمران.

أي هى مما غاب أمره عن الرسول ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ ولم يكن عنده من أخبارها شيئا .. فهى غيب بالنسبة الرسول ، وإن كان عند أهل الكتاب شى ء منها! وقوله تعالى: « وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ » تأكيد لما بين الرسول ، وبين هذه الأحداث من بعد ، ومن غياب أمرها عنه ، لأنه ـ أولا ـ لم يكن من أهل الكتاب ، ولا من القارئين الدارسين لما في أيدى أهل الكتاب من علم ، ولأنه ـ ثانيا ـ لم يكن معاصرا لهذه الأحداث ، ومشاهدا لها ..

ومن جهة أخرى ، فإن من هذه الأنباء ما لم يكن عند أهل الكتاب ـ وخاصة معاصري النبوة ـ شى ء منها ، مثل ما أخبر به القرآن من اختصام المختصمين في كفالة مريم ، وأيّهم أحق بها ، ثم التجاؤهم في هذا الخلاف إلى أن يقترعوا عليها ، وذلك بإلقاء أقلامهم في الماء ، فأيهم ثبت قلمه كفلها ، وقد أصابت القرعة زكريا ، فكفلها زكريا ، كما أخبر القران الكريم بهذا .. فهذا كلّه لم يكن عند أهل الكتاب المعاصرين للنبيّ شى ء منه ، ولم يكن فيما بين أيديهم من كتب اللّه حديث عنه. .

وفى هذه الأخبار التي يتلقاها محمد - صلى الله عليه وسلم - من السماء ، على غير سابق علم بها ، وفى مجيئها على تمامها وصحتها ، غير محرفة ، ولا مبتورة ، كما هو الحال فيما بقي بين أيدى أهل الكتاب منها ـ في هذه الأخبار دلالة قاطعة على أن ما يتلقاه محمد - صلى الله عليه وسلم - من أخبار ، هو من مصدر عال ، لا يرجع فيه إلى بشر ، ولا يستندُ فيه إلى علم بشر ، وإلا كان لزاما عليه ألا يخرج عن محتوى ما يرد إليه من علم العالمين! [1]

إن القرآن هو وحي منزل من عند الله، يُعرِّف المؤمنين النور إلى الهداية وتكاليف الحق، ويهدي من اختار الهدى، وإنك يا محمد لتدعو بهذا القرآن إلى صراط مستقيم. إن كل { مَا كُنتَ } في القرآن الكريم هي دليل على أن ما أخبرك به جبريل رسولًا من عند الله إليك، وحاملا للوحي من الله هو الحق؛ فتعلمه أنت يا محمد بطريقة خاصة وعلى نهج مخصوص، رغم أنك لم تقرأ كتابًا ولم تجلس إلى

(1) - التفسير القرآني للقرآن ، ج 2 ، ص: 447 والتفسير الوسيط للقرآن الكريم-موافق للمطبوع - (2 / 105)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت