فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 559

المبحث الثالث

منهج القرآن في أدلته العقلية

تهدف الأدلة التي يأتي بها القرآن إلى تقرير وجود الله تعالى وتفرده بالخلق والملك والتدبير. وهو في ذلك يأتي بالبراهين البدهية السهلة التي يدركها العقل بدون خوض في الجدال العقيم الجاف. وعلة ذلك: حتى تكون هذه الأدلة متاحةً لجميع العقول بكل مستوياتها كما في قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} (35) سورة الطور ، وقوله تعالى: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} (17) سورة النحل ، وقوله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (14) سورة الملك ، وقوله تعالى: { وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) } [مريم: 66 ، 67] .

وقوله تعالى: « أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا » ..هو ردّ على هذا الإنسان الذي يمثل الإنسانية الضالة المنكرة للبعث ، التي يقال على لسانها هذا القول: « أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ؟ » أفلا يذكر هذا الإنسان كيف كان خلقه ؟ ثم ألا يذكر أين كان هو قبل أن يولد ؟ لقد كان عدما ، لا وجود له ، ثم صار هذا الكائن الذي يقف من ربّه موقف المحادّ المحارب ؟ ثم لينظر هذا الإنسان: أخلق مخلوق من عدم .. أهون ، أم خلق مخلوق من بقايا مخلوق ؟ لينظر في هذه القضية على مستواه البشرىّ ، وسيرى أن إيجاد شىء من عدم مستحيل استحالة مطلقة ، أما إيجاد شىء من حطام شىء ، فهو واقع في حدود الإمكان ، المتاح للإنسان ..!!

فإذا كان ذلك كذلك في حدود الإنسان ، المخلوق ، الضعيف .. أفيعجز اللّه القادر القوىّ ، الذي خلق الإنسان من عدم ـ أن يعيد هذا الإنسان مرة أخرى ، بعد أن يرجعه إلى العدم ، أو ما يشبه العدم ؟ .. [1]

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (8 / 753)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت