المطلب السابع
العلاقة بين الدين والعلم
تتمثل مجالات المعرفة في عالمي الغيب والشهادة، أو العالم المادي المحسوس وعالم ما وراء المادة . والإنسانُ في معرفته يعتمد على ما يتوفر لديه من الأدوات والوسائل المستخدمة للوصول إلى المعرفة ،والمتمثلة في الحوادث والأجهزة التي توسع من مدارك الحواس ، ومن المعلوم ضرورة أن الحواسَّ تتمتعُ بقدرات محدودة ، وقد عمل الإنسان على زيادة تلك القدرات بالأجهزة العلمية التي أعانت على توسيع مجال إدراك حواسه ، إلا أنه مع ذلك يظلُّ مقيدا في معرفته بقدرات تلك الأجهزة ،وهي أيضا محدودة القدرات بالضرورة ..وبناءا على هذا فإن المعرفة الإنسانية- عن طريق الحواس والأجهزة - تظلُّ محدودة في عالم الشهادة ، وهي مع ذلك لم تبلغ من العلم إلا قليلا ، إذ أن المجال الذي تعيش فيه ، والمجال الذي استطاع الإنسان أن يكتشفه من مجرتنا الشمسية لا يمثل سوى قطرةٍ من بحرٍ لجيٍّ .
فمعرفة الإنسان التي يحصل عليها في عالم المادة تتوقف على منهجيته المعرفية عن طريق الحواس ، وهو محكوم بالزمان والمكان في الإطار الممكن .
أما عالمُ الغيبِ فتتوقف معرفة الإنسان فيه على الخبرِ الصادق الذي يبلغه عن مصدرٍ يتمتع بالعلمِ المطلق، الذي يتجاوز محدودية الحواس وحاجزي الزمان والمكان ، وهذا المصدر هو الله سبحانه وتعالى
فإذا ثبت للإنسان صحة الخبرِ من حيث نسبته إلى مصدره ،وهو الله تعالى ، أو رسوله المبلغ عنه ، فإن ذلك الخبر يقتضي صدقَ المخبَرِ به .
وعلمُ الإنسان- في علم المادة - عبارةٌ عن اكتشاف سُنن الله تعالى في خلقه ، وعلى هذا فإنه يستحيلُ أن تتناقضَ الحقيقةُ العلميةُ اليقينيةُ مع الحقيقةِ الدينيةِ اليقينية ، لأن كليهما من الله تعالى ، فهذه آياته في الآفاق وتلك آياته في التنزيل ، وقد قال الله تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ 53} [فصلت ] ، وقال تعالى: { وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ 6} [سبأ ] .
إنه وعد اللّه لعباده - بني الإنسان - أن يطلعهم على شيء من خفايا هذا الكون ، ومن خفايا أنفسهم على السواء. وعدهم أن يريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم ، حتى يتبين لهم أنه الحق. هذا الدين. وهذا الكتاب.وهذا المنهج. وهذا القول الذي يقوله لهم. ومن أصدق من اللّه حديثا؟
ولقد صدقهم اللّه وعده فكشف لهم عن آياته في الآفاق في خلال القرون الأربعة عشر التي تلت هذا الوعد وكشف لهم عن آياته في أنفسهم. وما يزال يكشف لهم في كل يوم عن جديد.