فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 559

المطلب الثالث

الغيبُ المقيَّدُ غيرُ النسبيِّ

هو كلُّ ما غاب عن الحسِّ بسببِ بعد الزمان ( المستقبل ) ، أو المكان، أو غير ذلك ،حتى ينكشف ذلك الحجابُ الزمانيُّ أو المكانيُّ ،كما في قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} (14) سورة سبأ . وذلك في موت سيدنا سليمان عليه السلامُ. [1]

ومن الأمثلة على الأمور الغيبية:

1.الرُّوحُ: قال الله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا } (85) سورة الإسراء.

و { الرُّوحِ } لها إطلاقات مُتعدِّدة، منها: الرُّوح التي تمدُّ الجسم بالحياة إن اتصلت به، كما في قوله تعالى: { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } [الحجر: 29]

فإذا ما فارقتْ هذه الروح الجسد فقد فارق الحياة، وتحوَّل إلى جثة هامدة، وفيها يقول تعالى: { فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ } [الواقعة: 83]

وقد تأتي الروح لتدل على أمين الوحي جبريل عليه السلام، كما في قوله تعالى: { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ } [الشعراء: 193]

وقد تُطلَق الروح على الوحي ذاته، كما في قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا } [الشورى: 52]

وتأتي بمعنى التثبيت والقوة، كما في قوله تعالى: { أُوْلَائِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ } [المجادلة: 22]

(1) - تكشف هذه الآية عن حقيقة الجن ، وتصحح تلك الصّور المشوهة التي وقعت في أوهام الناس لهم ، بنسبة الخوارق إليهم ،وأنهم يقدرون على كل شيء قدرة مطلقة ، وأنهم يعلمون الغيب ، ولهذا يلجأ كثير من الناس إلى محاولة الاتصال بالجن ،كما يفعل العرافون والسحرة وغيرهم ، ففي قوله تعالى: « فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ » ـ إشارة إلى أن سليمان حين حان أجله ، وقضى اللّه عليه الموت ، أي أوجب عليه الموت حين جاء وقته وكان سليمان حين مات ،قائما بين الجنّ وهم بين يديه يعملون له ـ لم يعلموا بموته ،وظلوا يعملون فيما أمرهم به ..

ولم يدلّهم على أنه قد مات إلا دابة الأرض التي كانت تأكل منسأته،أي عصاه التي كان يتكى ء عليها .. فلما عبثت دابة الأرض بالعصا ، زايلت موضعها وسقطت على الأرض. وخرَّذ سليمان على الأرض كذلك .. وهنا علم الجنُّ أن سليمان قد مات .. فأخلوا مكانهم ، ومضوا إلى حيث يشاءون!!

ولو كانوا يعلمون الغيب لعلموا أن سليمان قد مات ، ولو كان بعيدا عنهم ، فكيف وهو تحت سمعهم وبصرهم؟"التفسير القرآني للقرآن ، ج 11 ، ص: 793"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت