فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 559

المبحث الثاني

منهج القرآن في تقرير وجود الله تعالى

لم تنصرف نصوص القرآن الكريم إلى إثبات وجود الله تعالى وتقرير وجوده كقصدٍ أساسي, وإنما جاءت لتقرير ألوهية الله تعالى، وأنه لا إله غيره- و إن كانت تأتي بذلك ضمنا أو صراحة في أحيان قليلة- ذلك أن البشر كما ذكرنا مقرين بوجود الله تعالى ، إلا قليلا ممن شذ جحودا ومكابرة. ولذلك حكى الله تعالى عن الرسل عليهم السلام قولهم لأقوامهم: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} (10) سورة إبراهيم ، ولقد كان المشركون يقرون بربوبية الله تعالى, قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} (61) سورة العنكبوت، وقال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (25) سورة لقمان . وقد اشتمل القرآن الكريم على أساليبَ متعددةٍ في قضية الوجود والألوهية، وأهم تلك الأساليب ما يلي:

المطلب الأول

القرآن يتوجه بالخطاب إلى المشاعر

إن القرآن الكريم يخاطب في الإنسان قلبه ووجدانه حتى يثير تلك الفطرة الكامنة فيه، وحتى لا يكون خطابه جافا مجردا متجها للعقل المجرد. وقد أشار الله تعالى إلى هذه الميزة بقوله: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (21) سورة الحشر ، ولما كان القرآن يحمل بين طياته وألفاظه قوة التأثير الذاتي, أمر الله تعالى بإجارة المشركين. قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} (6) سورة التوبة ، وبسبب هذه القوة الذاتية كان مشركوا العرب يوصي بعضهم بعضا بعدم سماع القرآن حتى لا يتأثروا به {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (26) سورة فصلت ، ولتحريك المشاعر وانفعالها سلك القرآن مسالك شتى منها:

1-توجيه المشاعر إلى التأمل في الكون والحياة:

ذلك أن عظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق, وأن هذا الكون الفسيح القائم على الدقة والانتظام لا يمكن أن يوجد إلا بقدرة فائقة وعلم تامٍّ. والإنسان المتبلد لا تلفِت نظره السماء الكائنة فوقه, ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت