المبحث العاشر
رُؤْيَا النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْمَنَامِ
ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ مِنْ صَحِيحِهِ بَابًا بِعِنْوَانِ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْمَنَامِ وَذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: مَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « مَنْ رَآنِى فِى الْمَنَامِ فَسَيَرَانِى فِى الْيَقَظَةِ ، وَلاَ يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِى » [1] ..
وَهَذِهِ الأَْحَادِيثُ تَدُل عَلَى جَوَازِ رُؤْيَتِهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْمَنَامِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ، وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَقْوَالًا مُخْتَلِفَةً فِي مَعْنَى قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ .
وَالصَّحِيحُ مِنْهَا أَنَّ مَقْصُودَهُ أَنَّ رُؤْيَتَهُ فِي كُل حَالَةٍ لَيْسَتْ بَاطِلَةً وَلاَ أَضْغَاثًا ، بَل هِيَ حَقٌّ فِي نَفْسِهَا ، وَلَوْ رُئِيَ عَلَى غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي حَيَاتِهِ - صلى الله عليه وسلم - فَتَصَوُّرُ تِلْكَ الصُّورَةِ لَيْسَ مِنَ الشَّيْطَانِ بَل هُوَ مِنْ قِبَل اللَّهِ ، وَقَال: وَهَذَا قَوْل الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: « مَنْ رَآنِى فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ » [2] . أَيْ رَأَى الْحَقَّ الَّذِي قَصَدَ إِعْلاَمَ الرَّائِي بِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا وَإِلاَّ سَعَى فِي تَأْوِيلِهَا وَلاَ يُهْمِل أَمْرَهَا ، لأَِنَّهَا إِمَّا بُشْرَى بِخَيْرٍ ، أَوْ إِنْذَارٌ مِنْ شَرٍّ إِمَّا لِيُخِيفَ الرَّائِيَ ، إِمَّا لِيَنْزَجِرَ عَنْهُ ، وَإِمَّا لِيُنَبِّهَ عَلَى حُكْمٍ يَقَعُ لَهُ فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ [3] .
وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفُرُوقِ أَنَّ رُؤْيَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِنَّمَا تَصِحُّ لأَِحَدِ رَجُلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: صَحَابِيٌّ رَآهُ فَعَلِمَ صِفَتَهُ فَانْطَبَعَ فِي نَفْسِهِ مِثَالُهُ فَإِذَا رَآهُ جَزَمَ بِأَنَّهُ رَأَى مِثَالَهُ الْمَعْصُومَ مِنَ الشَّيْطَانِ ، فَيَنْتَفِي عَنْهُ اللَّبْسُ وَالشَّكُّ فِي رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَثَانِيهِمَا: رَجُلٌ تَكَرَّرَ عَلَيْهِ سَمَاعُ صِفَاتِهِ الْمَنْقُولَةِ فِي الْكُتُبِ حَتَّى انْطَبَعَتْ فِي نَفْسِهِ صِفَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَمِثَالُهُ الْمَعْصُومُ ، كَمَا حَصَل ذَلِكَ لِمَنْ رَآهُ ، فَإِذَا رَآهُ جَزَمَ بِأَنَّهُ رَأَى مِثَالَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا يَجْزِمُ بِهِ مَنْ رَآهُ ، فَيَنْتَفِي عَنْهُ اللَّبْسُ وَالشَّكُّ فِي رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَأَمَّا غَيْرُ هَذَيْنِ فَلاَ يَحِل لَهُ الْجَزْمُ بَل يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَآهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمِثَالِهِ ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ مِنْ تَخْيِيل الشَّيْطَانِ ، وَلاَ يُفِيدُ قَوْل الْمَرْئِيِّ لِمَنْ رَآهُ أَنَا رَسُول اللَّهِ ، وَلاَ قَوْل مَنْ يَحْضُرُ مَعَهُ هَذَا رَسُول اللَّهِ ؛ لأَِنَّ الشَّيْطَانَ يَكْذِبُ لِنَفْسِهِ وَيَكْذِبُ لِغَيْرِهِ ، فَلاَ يَحْصُل الْجَزْمُ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ صَرِيحًا فِي أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ مِثَالِهِ الْمَخْصُوصِ لاَ يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ فِي التَّعْبِيرِ أَنَّ الرَّائِيَ يَرَاهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَيْخًا وَشَابًّا وَأَسْوَدَ ، وَذَاهِبَ الْعَيْنَيْنِ ، وَذَاهِبَ الْيَدَيْنِ ، وَعَلَى أَنْوَاعٍ شَتَّى مِنَ الْمُثُل الَّتِي لَيْسَتْ مِثَالَهُ عَلَيْهِ
(1) - صحيح البخارى (6993 ) ومسلم (6057 )
(2) - صحيح البخارى (6996 ) ومسلم (6058 )
(3) - فتح الباري ( 12 / 384 - 385 ط الرياض )