المطلب الخامس
الشواهد العقلية
1-إن الأمور المتعلقة بما وراء المادة (الغيبيات) ليس مما يقع في حدود الحواس ، فمن المنطق ألاّ تكون تلك الحواس قادرة على إدراك ما يقع في ذلك المجال ، كما أن العقل- وهو يتمتع بقدرات محدودة ،ويتقيد بعاملي الزمان والمكان - لا يستطيع أن يحيط علمًا بما هو خارج عن حدوده ، فضلًا عن أن يحيط بعلم ما لا حدَّ له .
2-إن صانع الآلة هو أدرى الناس بها ؛ فالله ُتعالى هو خالق الكون وما فيه ، وهو خالق الإنسان ؛ ولذلك فإنه تعالى أعلم بخلقه وما يصلحهم ، قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (14) سورة الملك .
فإن علم اللّه سبحانه وتعالى بما نسرّ وما نجهر به من قول ـ أمر لا يصحّ أن ينكره أو يشك فيه عاقل .. فنحن صنعة اللّه .. من التراب ، إلى النطفة ، إلى العلقة ، إلى المضغة ، إلى أن نصبح بشرا سويا .. وإذا كان ذلك شأن اللّه فينا ـ أفيخفى على اللّه بعد ذلك شيء من ظاهرنا ، أو باطننا ؟ أفيخفى على الصانع شىء من أسرار ما صنع ؟ أيخفى على صانع آلة من الآلات البخارية ، أو الكهربية ، أىّ جزء من أجزائها .. دقّ ، أو عظم ؟ ألا يعلم السرّ في كل حركة من حركاتها ، أو سكنة من سكناتها ؟ ألا يعلم لم تتحرك ، ولم تسكن ؟ ..فإذا كان ذلك كذلك فيما يخلق المخلوقون ، فكيف لا يكون هذا الربّ العالمين ، وخالق المخلوقين ؟ ..
فالاستفهام في قوله تعالى: « أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ » استفهام تقريرى ..
وقوله تعالى: « وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » صفتان من صفات اللّه تعالى » تكشفان عن سعة علمه ، ونفوذ هذا العلم إلى أعمق أعماق الوجود .. فهو علم « اللطيف » الذي لا يحجب عنه شيء « الخبير » الذي لا تخفى عليه حقيقة أي شىء .. [1]
كما أنه أعلم بنفسه وما غيبّه عن خلقه . وبناء على ذلك فإنَّ أصدق خبر فيما يخص ذلك إنما يكون من اللهِ تعالى كما قال تعالى عن عبادة الأصنام: {إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } (14) سورة فاطر
وقوله تعالى: « وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ » إشارة إلى أن ما تحدّث به الآية من تلك الحقائق ، هو الحق المطلق الذي لا شك فيه ، لأنه من عند اللّه ، العليم الخبير .. وهذا ما يقضي بالتصديق بهذه الأخبار ،
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1059)