فمن أعطى الحياة ، ثم سلبها ، لا يعجز أن يعطى ما سلب! « كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ، وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » (28: البقرة) . [1]
وأسند - سبحانه - هنا التوفي إلى ملك الموت ، لأنه هو المأمور بقبض الأرواح. وأسنده إلى الملائكة في قوله - تعالى - فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ لأنهم أعوان ملك الموت الذين كلفهم اللّه بذلك.
وأسنده - سبحانه - إلى ذاته في قوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها لأن كل شيء كائنا ما كان ، لا يكون إلا بقضائه وقدره. [2]
وقد جعل الله له أعونًا يساعدونه في ذلك. قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} (61) سورة الأنعام.
أى: حتى إذا احتضر أحدكم وحان أجله قبضت روحه ملائكتنا الموكلون بذلك حالة كونهم لا يتوانون ولا يتأخرون في أداء مهمتهم.
قال الآلوسى: وحتى في قوله: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ هي التي يبتدأ بها الكلام وهي مع ذلك تجعل ما بعدها من الجملة الشرطية غاية لما قبلها ، كأنه قيل: ويرسل عليكم حفظة يحفظون ما يحفظون منكم مدة حياتكم ، حتى إذا انتهت مدة أحدكم وجاءت أسباب الموت ومباديه توفته رسلنا الآخرون المفوض إليهم ذلك ، وانتهى هناك حفظ الحفظة. والمراد بالرسل - على ما أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس - أعوان ملك الموت .
وقال الجمل: فإن قلت: إن هناك آية تقول: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وثانية تقول: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ والتي معنا تقول تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا فكيف الجمع بين هذه الآيات؟.
فالجواب على ذلك أن المتوفى في الحقيقة هو اللّه ، فإذا حضر أجل العبد أمر اللّه ملك الموت بقبض روحه ، ولملك الموت أعوان من الملائكة فيأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده ، فإذا وصلت إلى الحلقوم تولى قبضها ملك الموت نفسه ، وقيل المراد من قوله تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ملك الموت وحده وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له . [3]
وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، وَلَمَّا يُلْحَدْ قَالَ: فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُؤسِنَا الطَّيْرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ:"اسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ"
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (11 / 613)
(2) - التفسير الوسيط للقرآن الكريم-موافق للمطبوع - (11 / 148) وانظر تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (21 / 108)
(3) - التفسير الوسيط للقرآن الكريم-موافق للمطبوع - (5 / 93) والكشاف ج 2 ص 33 و تفسير الآلوسى ج 7 ص 76 وحاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 40.