اللهَ لَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيهٍ مِنَّا ، فَنَحْنُ أَحَقُّ بالخِلاَفَةِ مِنْ هذا المَخْلُوقِ ) ، كَمَا أَعْلَمُ مَا انْطَوَتْ عَلَيهِ نَفْسُ إِبليسَ مِنْ حَسَدٍ وَمُخَالَفَةٍ لأَمرِ اللهِ . [1]
ومضت مشيئة الله وقدرته فخلق آدم من صلصال من حمإٍ مسنون ، وأمر ملائكته أن يسجدوا له بعد أن سواه بشرًا ونفخ فيه الروح. قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) } [الحجر:28-31] .
وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ: إِنِّي سَأَخْلُقُ بَشَرًا ( هُوَ آدَمُ ) مِنْ طِينٍ يَابِسٍ يُصَلْصِلُ إِذَا نُقْرَ بِاليَدِ ، وَقَدْ كَانَ مِنْ قَبْلُ ، طِينًا رَطِبًا ( حَمَأٍ ) مُتَغَيِّرًا ، مُسْوَدَّ اللَّوْنِ ( مَسْنُونٍ ) .
وَيَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَمَرَ المَلاَئِكَةَ بِالسُّجُودِ لآدَمَ ، سَجَودَ تَعْظِيمٍ لاَ سُجُودَ عِبَادَةٍ ، حِينَمَا يُسَوِّيهِ وَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ .
فَاسْتَجَابَ المَلاَئِكَةُ جَمِيعًا لأَمْرِ رَبِّهِمْ ، فَسَجَدُوا لآدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ .
وَلَمْ يَشُذَّ عَنِ السُّجُودِ امْتِثَالًا لأَمْرِ اللهِ تَعَالَى إِلاَّ إِبْلِيسُ ، فَقَدْ رَفَضَ السُّجودَ حَسَدًا وَكُفْرًا وَعِنَادًا وَاسْتِكْبَارًا .
فَسَاَلَهُ المَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ قَائِلًا: مَا لِي ، يَا إِبْلِيسُ ، لاَ أَرَاكَ مَعَ السَّاجِدِينَ المُمْتَثِلِينَ لأَمْرِي؟
فَقَالَ إِبْلِيسُ لِرَبِّهِ الكَرِيمِ: إِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعِدٍّ لِلسُّجُودِ لِمَخْلُوقٍ خَلَقَهُ اللهُ مِن طِينٍ يَابِسٍ مُتَغَيِّرِ اللَّوْنِ مُسْوَدِّهِ .
فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى إِبْلِيسَ بِالخُرُوجِ مِنَ المَنْزِلَةِ التِي كَانَ فِيهَا مِنَ المَلإِ الأَعْلَى ، وَهُوَ مَطْرُودٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ( أَوْ مَرْجُومٌ بِالشُّهُبِ - رَجِيمٌ ) . [2]
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ جُلُوسٌ ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ . فَقَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ . فَقَالُوا السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ . فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ ، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ » [3] .
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هَذَا الْخَبَرُ تَعَلَّقَ بِهِ مَنْ لَمْ يُحْكِمُ صِنَاعَةَ الْعِلْمِ وَأَخَذَ يُشَنِّعُ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ يَنْتَحِلُونَ السُّنَنَ ، وَيَذُبُّونَ عَنْهَا ، وَيَقْمَعُونَ مَنْ خَالَفَهَا بِأَنْ قَالَ: لَيْسَتْ تَخْلُو هَذِهِ الْهَاءُ مِنْ أَنْ تُنْسَبَ إِلَى اللهِ أَوْ إِلَى آدَمَ ، فَإِنْ نُسِبَتْ إِلَى اللهِ كَانَ ذَلِكَ كُفْرًا ، إِذْ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، وَإِنْ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 37)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1831)
(3) - صحيح البخارى- المكنز - (6227 )