قالت مريم: أنى يكون لي غلام ؟ والحال أنى لم يمسني بشر في زواج شرعي ولم أك بغيا من البغايا!! وسؤالها هذا لم يكن عن استبعاد لقدرة اللّه ، ولكن أرادت متعجبة كيف يكون هذا الولد ؟ هل هو من قبل زوج تتزوجه في المستقبل أم يخلقه اللّه ابتداء ؟
قال الملك: الأمر كذلك (و المشار إليه أنى يكون لي غلام ؟ ) قال اللّه: هو على هين وقد خلقناه على هذا الوضع لنجعله آية للناس حيث يستدلون بخلقه على كمال القدرة ، وتمام العظمة للّه - سبحانه وتعالى - .
وكان رحمة منا للخلق ، وهكذا كل نبي يهدى الناس إلى الخير ، ويرشدهم إلى الصراط المستقيم ، وكان ذلك المذكور أمرا مقضيا ومقدرا من اللّه.
اطمأنت مريم إلى كلامه فدنا منها ، ونفخ في جيب درعها أى نفخ في فتحة قميصها من أعلى ، ووصلت النفخة إلى بطنها ، وتنحت عن أهلها قاصدة مكانا قصيا بعيدا فألجأها المخاض متجهة إلى جذع النخلة لتستر به ، وتعتمد عليه عند الولادة قالت:
يا ليتني مت قبل هذا الحادث ، وكنت شيئا منسيا ، تراها تمنت الموت خوفا من أن يظن بها السوء في دينها ، أو يقع أحد بسبها في البهتان.
فناداها جبريل من تحتها إذا كانت هي على مكان مرتفع وقيل الذي ناداها هو عيسى الوليد ، ناداها بألا تحزني ولا تتألمى.
فهذه آية اللّه الدالة على أن الأمر خارق للعادة ، وأن للّه في خلقه شؤونا. فها هو ذا قد جعل لك ربك تحتك نهرا يفيض بالماء بعد أن كان جافا ، وحركي جذع النخلة اليابسة تتساقط عليك رطبا جنيا شهيا ، أليست هذه أمارات الرضا ؟ ودليلا على أن اللّه معك ولن ينساك يا مريم ، فكلي من الرطب واشربى من النهر وقرى عينا ، واهدئى بالا ، واطمأني نفسا فاللّه معك ، وحافظك من الناس ، فإن رأيت من الناس أحدا فيه أمارة الاعتراض عليك فلا تكلميه ، وقولي: إنى نذرت للرحمن صوما وسكوتا عن الكلام فلن أكلم اليوم إنسانا بل سألكم الملائكة ، وأناجى ربي - سبحانه وتعالى - . [1]
وقال تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} (12) سورة التحريم.
وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا آخَرَ لِلَّذِينَ آمَنُوا حَالَ مَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ ، وَمَا أُوتِيَتْ مِنْ كَرَامَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فاصْطَفَاهَا اللهُ رَبُّهَا ، وَأَرْسَلَ إِليهَا مَلَكًا كَرِيمًا مَنْ مَلاَئِكَتِهِ تَمَثَّلَ لَهَا فِي صَورَةِ بَشَرٍ دَخَلَ عَلَيهَا ، وَهِيَ فِي خَلْوَتِهَا ، فَاسْتَعَاذَتْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهِ ، فَبَشَّرَهَا بِأَنَّهَا سَيَكُونُ لَهَا وَلَدٌ يُولَدُ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ ، وَيَكُونَ نِبِيًّا كَرِيمًا .وَنَفَخَ فِيهَا المَلَكُ مِنْ رُوحِ اللهِ فَحَمَلَتْ بِعِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، وَصَدَّقَتْ مَرْيَمُ
(1) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (2 / 449) والتفسير الوسيط ـ الزحيلى - (2 / 1469)