وقال تعالى:: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (13) سورة السجدة
لو شاء اللّه لجعل لجميع النفوس طريقا واحدا. هو طريق الهدى ، كما وحد طريق المخلوقات التي تهتدي بإلهام كامن في فطرتها ، وتسلك طريقة واحدة في حياتها من الحشرات والطير والدواب أو الخلائق التي لا تعرف إلا الطاعات كالملائكة. لكن إرادة اللّه اقتضت أن يكون لهذا الخلق المسمى بالإنسان طبيعة خاصة ، يملك معها الهدى والضلال ويختار الهداية أو يحيد عنها ويؤدي دوره في هذا الكون بهذه الطبيعة الخاصة ، التي فطره اللّه عليها لغرض ولحكمة في تصميم هذا الوجود. ومن ثم كتب اللّه في قدره أن يملأ جهنم من الجنة ومن الناس الذين يختارون الضلالة ، ويسلكون الطريق المؤدي إلى جهنم. [1]
وقوله تعالى: «وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها .. وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ » . هو ردّ ضمنى على ما طلب المجرمون من أن يعودوا إلى الحياة الدنيا مرة أخرى ..
والمعنى: أن الهدى بيد اللّه ، وفي قيد مشيئته .. وأنه سبحانه لو شاء لهدى الناس جميعا ، ولكنه سبحانه جعل للجنة أهلها ولها يعملون ، وجعل للنار أهلها ولها يعملون .. وأن مما قضى اللّه به في خلقه أن يملأ النار ويعمرها بمن جعلهم من أهلها ، من الجنة والناس!
وأن هؤلاء المجرمين الذين رأوا مشاهد القيامة ، وعاينوا أهوالها ، وتمنوا العودة إلى الدنيا ، ليستقيموا على طريق الحق والهدى ـ هؤلاء المجرمون ، لو ردوا إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه ، ولركبوا نفس الطريق الذي كانوا عليه من قبل ، ولماتوا على الكفر والضلال ، ولكانوا في أصحاب النار ، وذلك لأن قضاء اللّه فيهم قد سبق ، وأنهم لن يخرجوا عما قضى اللّه فيهم! [2]
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 2811)
(2) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (11 / 616)